خبر صغير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، يقول إن الرئيس دونالد ترامب دعم “أمير الحرب” الليبي اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا، على حساب حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، وذلك بعد ضغط خليجي مصري، كشف ضمنا دور ثلاثي شر دول الثورة المضادة في تخريب لليبيا وإرباك ثورات السودان والجزائر وإفشالها ضمن سعيهم لضرب الربيع العربي.
الصحيفة نقلت عمّا قالت إنه مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية ومسؤولين خليجيين أن السيسي وزعماء خليجيين نجحوا في الضغط على ترامب ليغير سياسة بلاده في ليبيا، ويدعم حفتر في حربه ضد حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج، وأن كلمة السر التي قالوا لترامب هي أن المقاتلين في طرابلس مرتبطون بالإسلاميين وتنظيم القاعدة “داعش”!!.
إعادة توجيه الربيع العربي للفشل
ولكن الباحث “مارك لينش” كتب دراسة أعمق في معهد كارنيجي توضح كيف أعادت الأنظمة العربية السلطوية رسم معالم الرسالة التي حملتها الاحتجاجات الأخيرة في الجزائر والسودان لمصلحتها.
وقال إن الصمت النسبي للولايات المتحدة شجع أنظمة خليجية على تولّي زمام الأمور، خاصة الإمارات فضلاً عن مصر السيسي، وبذلوا جهودًا حثيثة لنقل السلطة إلى أنظمة جديدة متجاوبة معها، وعملوا مع نخب عسكرية للإحكام قبضتها على مرحلة ما بعد الانتفاضات الحالية، عبر مساعدات مالية لتمكينها من ترسيخ نفوذها، وتقويض أي دور قد يضطلع به الإسلاميون أو حلفاء آخرون لخصوم إقليميين مثل قطر.
كما هدفت هذه العمليات الانتقالية الموجّهة إلى افشال وإضعاف زخم المتظاهرين، للحؤول دون انتقال شعلة الثورة إلى دول أخرى أو إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي.
وأرجع هذا لأن ما حصل مؤخرًا في الجزائر والسودان؛ حيث أطاحت الانتفاضات الشعبية بالرئيسين اللذين حكما طويلاً، طرح تحديًا قويًا لسردية الاستقرار المتجدّد للسلطوية.

فبالنسبة إلى الأنظمة والمعلّقين الذين يروّجون لعودة النهج السلطوي الذي كان سائدا قبل العام 2011، شكّلت هذه الانتفاضات الجديدة مفاجأة غير سارّة، فزرعت مخاوف عميقة من ظهور حالات جديدة من العدوى الثورية.
وخلال السنوات القليلة الماضية، سعت مجموعة من الأنظمة العربية السلطوية ومن المحلّلين السياسيين في الغرب والشرق الأوسط لعم فكرة انتهاء الانتفاضات العربية، والربط بين الربيع العربي ومخاطر إحداث التغيير انطلاقًا من القاعدة الشعبية، لا بل استحالته، والدعوة للعودة إلى الاستقرار الذي تضمنه الأنظمة السلطوية!
هذه الرؤية السلطوية التي دعمتها مصر السيسي وانظمة خليجية بالمال زعمت أن الثورات الشعبية التي اندلعت في العام 2011 مُنيت بالفشل عموما.
ففي مصر، سرعان ما أطاحت قيادة عسكرية بعملية الانتقال الديمقراطي الذي شهدته البلاد بُعيد الانتفاضة، لتتولّى هي زمام السلطة.
وعلقت تونس بدورها في مأزق سياسي، وفي ليبيا وسورية واليمن، آلت الانتفاضات إلى إراقة الدماء وبثّ الذعر، أما الأنظمة الملكية فلم تهتزّ.
وزعموا إن الأنظمة العربية تعلّمت كيفية منع ظهور موجات جديدة من الاحتجاجات الشعبية، ناهيك عن أن الشعوب العربية أدركت عبثية محاولة إسقاط أنظمتها.
الملكية أفضل لكم!
الأغرب كما تقول دراسة كارنيجي أن الأنظمة السلطوية القمعية في دول الخليج سعت لإقناع أصحاب الثورات في العالم العربي بأن الملكية أفضل لأن الممالك لم تقع فيها ثورات بينما اقتصر الأمر على الأنظمة الجمهورية!
حيث ترافق الدعم المادي والسياسي للأنظمة العسكرية التي تدير هذه العمليات الانتقالية في الجزائر والسودان مع استراتيجية خطابية تطُرح مبدأ تقدّم الأنظمة الملكية وتحاول شرح لماذا لن (ولا يجب أن) تمتدّ رقعة الاحتجاجات إلى خارج الجمهوريات المضطربة، وتزعم أن الأنظمة الملكية الخليجية تمكّنت تفسر الانتفاضات في الجزائر والسودان اللذين يتمتعان بنظام جمهوري رئاسي، باعتبارها حصيلة رفض الأنظمة غير الملكية، بدل أن تكون دليلاً عن استمرار مطالبات الشعوب العربية بالتغيير.
وتقول دراسة كارنيجي إن “هذه النظرية القائلة بتقدّم الأنظمة الملكية غالبًا ما طبعت الخطاب العام والتحليلات السياسة منذ العام 2011، لكن ما يكذّبها هو وفرة الأمثلة على الاحتجاجات الشعبية ضد الأنظمة الملكية، على غرار تلك التي شهدتها البحرين والأردن والمغرب.
وقد برزت أيضًا تفسيرات بديلة قوية لصمود الأنظمة الملكية، مثل قدرة هذه الدول، والثروة النفطية، والإفلات من العقوبات من خلال التحالفات الدولية.
وقد تدخّلت السعودية والإمارات بشكل فعال لمساعدة هذه الأنظمة على الصمود في وجه الاحتجاجات الشعبية، وهذا الأمر ما كان ليكون ضروريًا على الأرجح لو كانت الأنظمة شرعية ومستقرة، وساهمت المساعدات المالية والسياسية والإعلامية والعسكرية التي قدّمتها الدولتان إلى الأنظمة الحليفة في تصوير صمودها على أنه دليل على أن الأنظمة الملكية أكثر فعالية في حكم المجتمعات العربية.
الجزائر والسودان انتفاضة “إفريقية”!
الأكثر غرابة أيضا أنه لمنع الأنظمة السلطوية العربية انتشار الاحتجاجات الثورية التي أرعبت هذه الأنظمة العربية إلى حدّ كبير، سعوا إلى عزل الجزائر والسودان من خلال إدراج ما يجري في خانة الشؤون المحلية عوضًا عن “الانتفاضات العربية”، والسعي لإظهار أن أحداث الجزائر والسودان بمثابة شئون إفريقية بحتة، وإخفاقات طبيعية تعكس الضعف البنيوي للجمهوريات العربية!
كما أنهم نظروا إلى الانتفاضات في هاتين الدولتين الواقعتين في شمال إفريقيا (تمامًا كالحرب الأهلية المستمرة في ليبيا) ليس على أنها تهديد للأنظمة الملكية، بل اعتُبرت فرصًا لتوسيع النفوذ الإقليمي وترسيخه؛ والسيناريو الأفضل أن يتم ذلك على حساب قطر.

ويشبه ذلك دعمهما للانقلاب العسكري في مصر في العام 2013، الذي هدف إلى إسقاط الحكومة الديمقراطية المتحالفة مع قطر، وأيضًا للتحالف المعادي للإسلاميين في تونس، ولفصائل معيّنة من المعارضة المسلحة في ليبيا وسورية.
أيضا سعت هذه الانظمة القمعية العربية لاستغلال هذه الثورات الاخيرة بالزعم أن انتفاضة السودان ثورة شعبية ضد عمر البشير “الإسلامي”، وهو نفس قلقهم من وجود اسلاميين في الحكم في ليبيا لذلك يسعون لاحتلال طرابلس لإنهاء هذا الوضع.
كذلك، اعتمد السعوديون والإماراتيون مبدأ أساسيا آخر تمثّل في إيلاء الأولوية إلى الاستقرار على حساب الديمقراطية أو التغيير الثوري.
فالفوضى التي تلت انتفاضات العام 2011 اعتُبرت مبرّرا لعملية انتقالية بطيئة وموجّهة تجنّبت إحداث تغيير ديمقراطي كاسح، حتى عندما كان التدخل السعودي والإماراتي سبباً جوهرياً في تفاقمها.
ومؤخرا، برّر قرقاش الخطوات العربية في السودان في تغريدة على تويتر، قائلاً: “من المشروع تماما للدول العربية أن تدعم عملية انتقالية منظّمة ومستقرة في السودان.. لقد شهدنا فوضى شاملة في المنطقة، ومن المنطقي أننا لا نريد المزيد منها”. وفي الجزائر أيضا، صُوّر دعم العملية الانتقالية التي يقودها الجيش على أنه ضروري لتجنّب أعمال العنف أو الفوضى.
ومع هذا تشدد الدراسة على أنه حتى الآن، لا يزال الشعبان السوداني والجزائري متحمّسين وموحّدين بشكل كبير في موقفهما المعارض لإقامة أنظمة جديدة بقيادة الجيش، لكن قدرتهما على الحفاظ على الوحدة والزخم ستُخضع للاختبار على ضوء استراتيجية الإمارات وأنظمة قمعية أخرى الرامية إلى استغلال الثورة الشعبية وإعادة إرساء الاستقرار بشروطهما الخاصة.

فيسبوك