أضحكنا –كما أبكانا- مشهد طاولات الكباب والفاكهة وبيض النعام الذى تداولته وسائل إعلام النظام العسكرى بمناسبة (المنتدى الثالث للسجون)، الذى عُقد داخل سجن طرة -وقد ادعوا خلاله أن هذا الكباب وتلك الفاكهة هى الأكل المعتاد للنزلاء الذين يُعاملون معاملة راقية, وينامون على أسرَّة جيدة, ويتلقون الرعاية الصحية الفائقة.. إلخ.

والحقيقة أن هذا مشهد تمثيلى عبثى، مثل باقى المشاهد التى تعرض علينا ليل نهار فى هذا البلد الضائع, وإن هو إلا ردٌّ نظمته الهيئة العامة للاستعلامات على ما أثاره تقرير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حول وفاة الرئيس محمد مرسى وأوضاع عشرات الآلاف من السياسيين داخل السجون, خصوصًا أن وفدًا مصريًّا يستعد الآن للسفر للرد على ما جاء بالتقرير؛ فتهيؤوا لذلك بعرض الكباب والفاكهة، وتنظيم زيارة لهذا القطاع، قطاع طرة، تضم أعضاء من نيابة أمن الدولة العليا ونوابًا فى البرلمان وإعلاميين محسوبين على العسكر-يظنون أن العالم سوف تقنعه هذه الخزعبلات.

وقطاع سجون طرة لمن لا يعرفه, هو منطقة أو مجمّع سجون يقع فى منطقة طرة البلد بحلوان, جنوب القاهرة, ويمتد من كورنيش النيل غربًا حتى طريق الأتوستراد شرقًا, ويقسم إداريًّا إلى (طرة أ) وهو الجزء المطل على النيل، و(طرة ب) المطل على الأتوستراد, وداخل القسمين هناك عدة سجون تضم الجنائيين والسياسيين على السواء، وإن كان يتم فصلهم داخل العنابر والزنازين, أما سمعة هذا السجن فسيئة للغاية؛ فيكفى أن به (سجن شديد الحراسة) أو ما يسمى: (العقرب) الذى يضم غالبية قيادات الإخوان, وهو مجهز للتخلص من تلك القيادات بالموت البطىء؛ بدءًا من الحبس الانفرادى الممتد لسنوات لقتل الحياة والحركة داخل نفس المسجون؛ مرورًا بالإهمال الطبى والمعاملة غير الآدمية, وانتهاء بتقديم أطعمة خالية من ملح الطعام وعدد من المعادن لإحداث إصابات جسدية على المدى الطويل, أو النوم على أرضيات الزنازين الصلبة؛ ما يخلِّف أمراض العظام والروماتيزم القاتلة.

أما الكباب والفاكهة وبيض النعام التى رأيناها فى الصور و(الفيديوهات) فهى بالفعل من إنتاج مزارع طرة التى تقدر بعشرات الأفدنة داخل الأسوار, وبها محاصيل وفواكه, ومزارع دواجن ونعام وحيوانات حقلية, أما الذى يقوم بفلاحة هذه الأرض ورعاية تلك الطيور والحيوانات فهم المساجين والمجندون الذين لا يتحصلون على ثمرة منها, أما ريعها فيعود على رؤساء القطاعات ورؤساء المباحث والضباط الذين يعتبرون هذه المزارع عزبًا موروثة يعمل فيها المسجون والمجند بالسخرة.

والمفترض أن الدولة التى تقدم مثل هذه الأطعمة والمشروبات –بالفعل- للمسجونين, هى دولة محترمة وعادلة؛ وبالتالى فهى ليست بحاجة إلى سجن مواطنيها وتكديسهم فى السجون دون اتهامات حقيقية. أما واقعنا المرُّ فيفضح هذا النظام ويرد على كذبه وغبائه؛ فإنه فى خلال أسبوعين اثنين, فى أواخر شهر سبتمبر الماضى، تم اعتقال (4000) مصرى من الشوارع, وللمفارقة: تم إيداع غالبيتهم داخل قطاع سجون طرة؛ حيث خضعوا لتحقيقات مطولة ومريعة بمعرفة ضباط الأمن الوطنى. فهل نصدق أنهم أطعموا هؤلاء المساكين من هذا الطعام الذى رأيناه, أو جهزوا لهم أسرّة مثل التى تحدثوا عنها؟ لقد نشر أحد المحامين أن واحدًا من هؤلاء المعتقلين أبكاهم أمام النيابة عندما قال: (أنا مستعد أن أوقع على أى اتهام شريطة أن ترحمونى مما أنا فيه, لقد قضيت حاجتى على نفسى عدة مرات من هول ما رأيت, وإننى لم أذق الطعام أو النوم منذ أيام, إننى أشعر أننى على حافة الجنون, ارحمونى يرحمكم الله).

لم يعد أحد يصدق هذا التدليس؛ لأن هناك ما يزيد على سبعين ألفًا من المسجونين السياسيين, يمثلون سبعين ألف شهادة على فجركم وإجرامكم, ورغم ذلك لا تستحيون, ولا تخافون الله, ولا تأخذون العبرة ممن سبقكم, وتظنون أن العاقبة لكم.. لقد تلقينا نبأ موت العشرات من إخواننا داخل هذه السجون؛ حيث لا يكاد يمر يوم إلا ويصدمنا موت أحدهم, أو إصابة آخر بذبحة أو بالسرطان أو الفشل الكلوى, وأظننا رأينا جميعًا صورًا لقيادات وقد نحلوا وهلكوا من سوء المعاملة وبؤس التغذية وطريقة الحبس من أمثال البلتاجى والكتاتنى وعصام سلطان -وهذا وحده كافٍ لاتهام العسكر الفاشيين باستخدام السجون وسيلة للقضاء على الإخوان وباقى خصومهم السياسيين؛ فمن لم يمت منهم داخل السجن ضمنوا شل حركته وإجهاض نشاطه, أو إيصاله إلى درجة اليأس التى لا حيلة له بعدها فى ممارسة أى نشاط خارج المعتقل.
ما كتبه الراحل أحمد رائف فى (البوابة السوداء) و(سراديب الشيطان) عما جرى للإخوان على يد الهالك فى منتصف الستينيات -وهو أمر فظيع- يجرى الآن ما هو أفظع منه داخل سجون العسكر؛ فحفلات الاستقبال كما هى, والشاويش المجرم كما هو, وسياسة القهر والإذلال وتحطيم نفسيات المسجونين لا زالت على حالها القديم.. الفرق الوحيد أنك فى الستينيات كنت تجد من بين السجانين والسياسيين من لديهم قدر من إنسانية أو مروءة.. الآن خلت العصابة من هذه أو تلك.

Facebook Comments