حين وقع انقلاب 3 يوليه 2013 ضد أول رئيس مدني منتخب وضد ارادة الشعب في صناديق الانتخابات كانت الصورة واضحة في مصر، وتتلخص في أن جنرالات السيسي وطنطاوي كانوا يعدون خططا فعليه للعودة للحكم وأنهم وراء التخطيط للفوضى مستخدمين أوراق مثل حركة تمرد وجبهة الإنقاذ.

 

ولكن المقال الذي كتبه الباحث "نيل كيتشلي" بصحيفة "واشنطن بوست" في ذكري الانقلاب الرابعة 3 يوليه 2017، بعنوان "كيف استغل جنرالات الجيش احتجاجات الشارع للقيام بانقلاب عسكري"، أعاد إلقاء الضوء على حقيقتين:

 

(الأولي): أن حركة تمرد كانت تسحب من حساب بنكي يديره جنرالات الجيش المصري وتموله الامارات

 

(الثانية): ان الأنظمة الديكتاتورية يمكن ان تختلق ثورة شعبية تماما كما فعلت التنظيمات "التقدمية" قديما، وهذا امر جديد، 

بدليل تمويل "تمرد" لتفجير الاحتجاج وتضخيم الاعلام لحجم المظاهرة.

 

وسبق أن كشفت تسريبات مكملين (35 دقيقة من 70) مارس 2015، دور الإمارات في دعم حركة تمرد الذي لعبت دور 

الظهير السياسي للجيش في الانقلاب العسكري، واعترف به بعض أعضاء حركة تمرد المنشقين عن الحركة بعدما تبين لهم أن الجيش استخدمهم أداة للانقلاب، وعودة الحكم العسكري لمصر الذي لم ينقطع منذ سيطرة الجيش علي السلطة عام 1952.

 

ولكن أخطر ما في هذه التسريبات الأخيرة كان ثلاثة أشياء:

 

(الأول): أنها كشفت أن تمويل حركة "تمرد" ضمن خطة "إسقاط" مرسى، قد تم عبر حسابات بنكية تابعة للمخابرات الحربية، كانت تغذيها الإمارات، وهو ما كشف عنه بوضوح حديث اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي مع صدقي صبحي رئيس الأركان حينئذ، عندما طلب منه (200 ألف) من الفلوس إللي في المخابرات ومخصصة لتمرد والتي قالت إنها (5) دون أن يوضح هل هي خمسة ملايين أم مليارات، وبأي عملة هي.

 

(الثاني):أنها أكدت ما ظهر في التسريبات السابقة حول استيلاء قادة المؤسسة العسكرية المصرية علي أموال المعونات الخليجية لمصر وعدم نقلها للخزانة العامة للشعب، وهو ما قاله السيسي في الترسيب السابق عندما طلب 10 مليار دولار من كل من السعودية والامارات والكويت و"قرشين للبنك المركزي"، وفي التسريب الأخير، أظهر المقطع الأول الذي تضمن مكالمة هاتفية بين مدير مكتب السيسي اللواء عباس كامل والدكتور سلطان الجابر، وزير الدولة في الإمارات، حديث عباس عن صعوبة التصرف في وديعة إماراتية قال أنها "للجيش المصري" لأنها حوّلت كوديعة للبنك المركزي (مال الشعب) من بنك أبو ظبي، بينما هي تمويلات مقدمة لمشاريع الجيش، بحسب قوله، ومطالبة "عباس كامل" لجابر بالتصرف لتسهيل صرفها، ربما بإرسال ما يفيد أنها للجيش لا الشعب!. 

 

(الثالث): أن حصول أعضاء حركة "تمرد" المصريين علي تمويل من دولة أجنبية (الامارات) يندرج في القانون تحت بند (التخابر)، ولهذا دعا نشطاء إلى ضرورة القبض على قيادات "تمرد" بتهمة التخابر مع دول أجنبية، وتلقي تمويلات منها، كما أشار آخرون إلى أنهم عرفوا الآن مصدر الأموال التي أقام بها محمود بدر مؤسس الحركة حفل زفافه في أحد أكبر الفنادق المصرية، رغم أنه كان صحفيا مغمورا لا يملك شيئا، إضافة إلى السيارات الثلاث التي يملكها الآن، وما أعلن عن تشييده مصنع للبسكويت وحصوله علي قطعة أرض كبيرة لهذا الغرض فضلا عن محاولته تأسيس حزب سياسي (تم رفضه) لتبييض هذه الأموال تحت غطاء سياسي.

 

وكان المغرد الخليجي قد ذكر في تغريده بتاريخ 26/6/2013 قبل الانقلاب أنه تم دعم حركة تمرد بـ 10 مليون دولار "من قبل الخلية عبر حمدين صباحي"، ما يشير لتورط حمدين صباحي أيضا.

 

تصريح خطير لطنطاوي يكشف المؤامرة

ما قاله الباحث الامريكي في مقاله بواشنطن بوست ليس جديدا وتم فضحه خاصة بعد تسريبات قناة مكملين لعباس كامل وصبحي صدقي حول وضع اموال في حساب للأمارات تسحب منه تمرد، وتحدث عنه أيضا "دافيد كيركباتريك" في نيويورك تايمز عام 2015 استنادا الى تسريب مكملين.

 

وتأكيد «كلارك ماكفيل»، وهو عالم بارز في ديناميكيات الحشد، وعد الجماهير (مكفيل) ان ميدان التحرير وما حوله لا يسع لأكثر من 200 ألفا على أحسن حال وانه لا يمكن ان يكون الجنرالات حشدوا أكثر من مليون شخص في كل أنحاء مصر.

 

ولكن ما لم يقله تقرير نيويورك تايمز هو ما كشفته صحيفة هآرتس الصهيونية والبروفيسور الفرنسي (جيل كيبل) أستاذ ورئيس برنامج الدراسات الشرق أوسطية في معهد الدراسات السياسية بفرنسا في مقال نشر في يونيه 2014 حول ثورات الربيع العربي وكيف تم إفسادها في بعض الدول العربية وبشكل خاص في مصر وسوريا بشكل خاص، عن طريق الجنرالات العسكريين تحت عنوان: "مؤامرة الجنرالات في مصر".

 

فوفقًا لكيبل: "الانقلاب كان مدبرًا" حيث التقى (الباحث الفرنسي) بعد شهور من ثورة يناير 2011 مع مستشار المشير طنطاوي حيث أخبره الأخير أن: "المؤسسة العسكرية سوف تسمح للإخوان بالصعود للحكم، ومن ثم تكشف مساوئهم (لم يذكر خطة إثارة المشاكل الإخوان لإفشال حكمهم) وتجعل الشعب يثور ضدهم، ثم يطالب بعودة الجيش لسدة الحكم"!.

 

ووفقا للخبير الفرنسي – في الدراسة التي نشرها "إساف رونئيل" بصحيفة "هآرتس" 25 يونيو 2014 – كان هناك دور للسيسي كرئيس للمخابرات الحربية، حيث يقول: "لم يكن لدى قادة الجيش شك فيما يتعلق بهذه الخطة، والأسئلة التي ظلت مفتوحة تمحورت حول مدى تدخل السيسي في الخطة، والدور الذي لعبته الولايات المتحدة وإسرائيل في الأحداث". 

 

كيف تم تصنيع التمرد؟

في تقريره الاخير بصحيفة "واشنطن بوست" يلقي الباحث "نيل كيتشلي" مزيدا من الأضواء على كيفية تصنيع الجيش حركة تمرد وتصويرها على أنها حركة شعبية، وحملة توقيعات تدعو للإطاحة بالرئيس مرسي في 30 يونيو، مع اخفاء دور الجيش ووزارة الداخلية الواضح في دعم الحركة.

 

وتشير لأن المقابلات مع مسؤولين في وزارة الداخلية وأعضاء تمرد السابقين اظهرت كيف أثار جهاز الأمن احتجاجات الشوارع ضد حكومة «مرسي" لهذا هاجم نشطاء الحركة في أكتوبر 2013، ووصفوا محمود بدر أحد مؤسسيها أنه «قواد لأجهزة المخابرات".

 

ويقول الباحث أن "ما لم يأخذ حقه من التوثيق الجيد في تلك الفترة هو موجة العنف ضد الإخوان المسلمين التي زعزت استقرار رئاسة «مرسي» في الفترة التي سبقت الانقلاب العسكري".

 

حيث أوضح في خريطة ارفقها بالدراسة الهجمات على مكاتب الإخوان المسلمين ومقرات حزب العدالة والتنمية في الفترة بين 18 يونيو و3 يوليو 2013 والتي واكبها تصريحات لضباط الشرطة ومسؤولو وزارة الداخلية بأن قوات الأمن في البلاد لن تتدخل وتحمي المباني، وكان هذا التقاعس المتعمد من قبل قوات الأمن جزء من خطة تقويض الحكم الديمقراطي.

 

وتشير لأنه تم رصد أكثر من 140 احتجاجا ضد «مرسي» في 30 يونيو أوردتها وسائل الإعلام المصرية، وأن إجمالي هذه الحشود كان يتجاوز بقليل مليون متظاهر في جميع أنحاء البلاد لا 25 مليون كما زعمت أذرع الانقلاب، ولا 33 مليونًا كما زعم اللواء سامح سيف اليزل لشبكة «سي إن إن» ليلة الانقلاب.

 

وكان تضخيم الجيش لمظاهرات 30 يونيو وخروج طائرات الجيش لتحيتهم برسم قلوب لهم متوازي مع دور جنرالات مصر والوحدات الأمنية في تهيئة الظروف لإبعاد مرسي ما يثير شكوكا حول الصورة الشائعة لأحداث يونيو على أنها هبة سلمية تلقائية لأن الهدف كان العودة إلى الحكم العسكري

 

الجنرالات اجتمعوا بالمعارضين لمرسي

قبل هذا نشرت "وول ستريت جورنال" مقالا في 2013 تحت عنوان «الدولة العميقة تعود في مصر مرة أخرى»، كشفت فيه إنه قبل عدة أشهر من انقلاب الجيش علي الرئيس محمد مرسي، كان كبار الجنرالات في البلاد، يجتمعون بشكل منتظم، مع قادة المعارضة، وكانت رسالة هؤلاء الجنرالات لهمهي: «إذا استطاعت المعارضة حشد عدد كافٍ من المتظاهرين في الشوارع فإن الجيش سيتدخل، وسيعزل مرسي بشكل قسري»، حسب الصحيفة.

 

وأضافت الصحيفة، في تقرير مطول، أنه من بين حاضري الاجتماعات من المعارضة الدكتور محمد البرادعي، مؤسس حزب الدستور، وعمرو موسى، رئيس حزب المؤتمر، وحمدين صباحي، مؤسس التيار الشعبي، وذلك وفقاً لأحمد سميح، الذي عرفته الصحيفة بأنه أحد المقربين من العديد من رموز المعارضة الذين حضروا هذه الاجتماعات، والدكتورة رباب المهدي، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، وآخرون ممن هم على مقربة من كبار أعضاء جبهة الإنقاذ الوطني.

 

ونقلت الصحيفة عن «سميح» قوله إن «المعارضة طرحت سؤالاً بسيطاً للجيش، وهو ما إذا كان سيكون معها هذه المرة أم لا، وهو الأمر الذي أكد عليه الجنرالات». 

 

وأوضحت الصحيفة أنه مع اقتراب الإطاحة بمرسي، زادت اللقاءات بين الجيش والمعارضة، مشيرة إلى أن بعض هذه الاجتماعات عقدت في نادي ضباط القوات البحرية، وهو ما يكشف عن عمل «الدولة العميقة» في البلاد.

 

وأشارت الصحيفة إلى أنه في الفترة التي سبقت يوم 30 يونيو، زاد التحريض ضد الإخوان، وحينما طلبت الجماعة رسمياً من وزير الداخلية، اللواء محمد إبراهيم، حماية مكاتبهم، رفض الأخير الطلب بشكل «علني». 

 

الجنرالات أشرفوا على تحريك المظاهرات

وفي مقالة اخر سابق بمجلة (دايلي بيست) بعنوان (مؤامرة القاهرة) كتب (مايك جيجليو) بتاريخ 12 يوليو 2013، يقول "إن بعض القادة الذين حركوا تظاهرات 30 يونيو كانوا على اتصال دائم مع الجيش من خلال وسطاء وأنهم خططوا للتظاهرات التي كانت مدعومة بشكل واضح من الجيش".

 

 وأشارت الصحيفة إلى اتصال "وليد المصري"، أحد منظمي التواصل مع حركة تمرد، الدائم والمنتظم مع مجموعة من ضباط الجيش المتقاعدين، ونقلت عن (محب دوس) أحد مؤسسي الحركة قوله إن قادة الحركة تلقوا مكالمات من قادة الجيش ومن مؤسسات أخرى التي انقلبت علي مرسي.

 

ملايين الإمارات لـ "تمرد" سلاح الانقلاب 

وحين نشأت حركة "تمرد" قبل الانقلاب علي الرئيس محمد مرسي، وروجت لجمعها تفويضات من 22 مليون مصري، لاحظ نشطاء انشقوا عليها لاحقا، وصحف أن الحركة تنفق بسخاء، وأنها استأجرت عشرات المقرات، وقال اسلام همام" عضو اللجنة المركزية للحملة للصحف ان لديهم أيضا "مقرات سرية"، ما أثار تكهنات حول وجود جهات داخلية أو خارجية تدعمها.

 

لاحقا وعندما انشق عدد من أعضاء الحركة غضبا من تولي السيسي الرئاسة واستمرار قمع كل التيارات السياسية، كشف بعضهم ومنهم "الصحفي "محمود السقا" و"محب دوس" تلقي الحركة تمويلات من جهات أجنبية.

 

ثم اعترف "دوس" رسميا مارس 2016، أن مسئول بالسفارة الاماراتية (بلهجة خليجية) اتصل به وقال له لدي شيك بـ 30 ألف دولار لحملة تمرد، والحركة ليس لها مقر رسمي، وأرغب في ارسالهم عن طريقك.

 

 

ملايين الجنيهات

وخلال حلقة ببرنامج "العاشرة مساء" على "قناة دريم2" 23 مارس 2016، فاجأ محمد فاضل، عضو هيئة الدفاع عن "محب دوس" أحد مؤسسي حركة "تمرد" الخمسة، الحاضرين معه، ومنهم "محمد نبوي"، العضو بالحركة، على الهواء مباشرة بكشفه – بالشيكات – بعض الأموال التي تلقتها الحركة قبل 30 يونيو من دولة الإمارات ومن جهات أخرى، مؤكدا "دول شوية فكة وفيها غيرها".

 

وقال المحامي "فاضل" إن محمود السقا، عضو تمرد السابق وأحد المتهمين في قضية "حركة 25 يناير" سُئل في التحقيقات عن التمويلات التي تلقتها قيادات حركة "تمرد" وذكر بالاسم محمود بدر ومحمد نبوي وحسن شاهين.

 

وأضاف أن أحد المسؤولين في سفارة الإمارات بالقاهرة اتصل بكل من دعاء خليفة ومحب دوس، وأبلغهما أن هناك شيك بقيمة 30 ألف دولار سيتم إرساله على عنوان منزلهم، ولما رفض "دوس" قبول تلك الأموال، قال له المسؤول الإماراتي: "هذا الشيك أرسل مثله لفلان وفلان وفلان".

 

وتابع المحامي أنه قدم بلاغ بهذا للنائب العام ضد كل من محمود بدر ومحمد نبوي، وهذا البلاغ يتعلق بتلقيهم أموالا تقدر بـ "ملايين الجنيهات من جهات أجنبية"، بحسب قوله.

 

وتابع: "قدمنا للنائب العام صور من الشيكات، وشهادات تثبت الوقائع، وهناك ثلاث وقائع يحويهم البلاغ، الأولى تتعلق بتلقي قيادات (تمرد) 6 شيكات كل شيك بقيمة مليون جنيه من شيوخ قبائل سيناء، قبل 30 يونيو بحجة المساهمة في الإعاشة الخاصة بالميدان وتم صرفها".

 

وأضاف "هناك 30 شيكا، قيمة كل شيك 100 ألف دولار من الجالية العربية بأمريكا، وتم ذلك من خلال وسيط وهو رئيس الجالية ووسيط آخر يعمل معد بقناة العربية" السعودية، على حد قوله، وأخفي النائب العام السابق هذه التحقيقات.

  

Facebook Comments