لم يكن تبنّي جبهة الإنقاذ لخيار تأييد "الإنقلاب العسكري" على الشرعية في مصر إلا حلقة من سلسلة تحالفات قادها بيادق التيار العلماني في العالم العربي والإسلامي مع العسكر، بإذن من النظم الغربية ضد التيارات الدينية، إذا ما هي وصلت إلى سدة الحكم عن طريق انتخابات نزيهة وشفّافة، وحازت الشرعية بصناديق الإقتراع!
التيارات العلمانية في العالم العربي التي طالما تبجح عرابوها بأنهم أكثر الناس ديمقراطية، ورفعوا لذلك شعارات الدفاع عن حقوق المرأة؛ سرعان ما تنقلب مفاهيمهم إلى أضداد من "دكتاتورية" خليعة بل وحرق للأوطان إذا ما عرفوا ضعف حجمهم في المجتمع، وأن مشاريعهم إلى بوار بفعل إفرازات صناديق الإقتراع، التي دائما ما تأتي بخصومهم إذا ما فتحت المشاركة السياسية للجميع بدون إقصاء أو تزوير.

هنا ينقلب العلمانيون إلى أوصياء على الديمقراطية يسفهون الشعوب ويتهمونها بعدم الفهم حتى خرج البرادعي قائلا "الشعب غير مؤهل للديمقراطية"، وهنا يسارعون إلى الارتفاع والصعود على الدبابات والتحريض على تدخل العساكر فيما لا دخل لها فيه لا عقلا ولا شرعا ولا قانونا بحجة حماية الأوطان!

مرحلة حكم المجلس العسكري اثناء المرحلة الانتقالية، بعد نجاح ثورة 25 يناير 2011، كانت من أشد المراحل عنفا وقسوة ضد المواطنيين المسيحيين، عانوا فيها أشد المعاناة، حتى تولى الرئيس الشهيد محمد مرسي العياط، رئاسة الجمهورية في 24 يونيو 2012.

النفاق العلماني
أطاح العسكر بالنخبة السياسية والكتيبة الإعلامية التي ساندت الانقلاب إﻻ بابا الكنيسة ﻷنه كفيل العسكر عند الغرب فلا بد من تحقيق أهدافه وتنفيذ رغباته وﻻ يخفى هذا على عاقل متابع للسفاح السيسي.

وبعد الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو بدأ "تواضروس" سلسلة من الرحلات من أجل تثبيت صورة الانقلاب وإظهار أن ما حدث في 30 يونيو بأنه ثورة شعبية – على حد زعمه- فقد زار الإمارات والنرويج وفنلندا والنمسا وكان خلالهما يحرص على إظهار صورة مشرقة لما بعد30 يونيو وتصوير السفاح السيسي بأنه منقذ وطني.

وفي واقعة شديدة النفاق العلماني، أحالت الهيئة الوطنية للصحافة في مصر رئيس تحرير مجلة روز اليوسف إلى التحقيق، بسبب ما تضمنه غلاف العدد الأخير من "إساءة للكنيسة" الأرثوذكسية في البلاد، ووقف المحرر المسئول عن الملف القبطي إلى حين الانتهاء من التحقيقات.
وقررت الهيئة تقديم "اعتذار للكنيسة، وأن تقوم المجلة في العدد القادم بالاعتذار عن الإساءة في ظل العلاقات الطيبة التي تربط الهيئة والصحافة والإعلام بقداسة البابا والإخوة الأقباط، وحفاظا على التاريخ العريق لمجلة روز اليوسف في الدفاع عن قضايا الوحدة الوطنية، وفتح صفحاتها وقلبها وعقلها منذ نشأتها لشركاء الوطن".
وتداولت مواقع مصرية صورة لغلاف العدد الذي كان مقررا أن يصدر السبت، ويظهر صورة للأنبا رافائيل، أسقف كنائس وسط القاهرة، وبجواره المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د. محمد بديع، مع كتابة "الجهل المقدس. والقتل باسم الرب. أساقفة يتحالفون مع كوفيد-19 ضد البابا".

الهجوم على جماعة الإخوان المسلمين جزء من الهجوم العلماني المدعوم من عصابة الانقلاب على كل ما هو إسلامي، ويتضح الفرق بين العلماني الغربي و"العلمانجي" العربي أن الأول عمل على فصل الكنيسة عن الدولة، لكنه في الوقت نفسه أعطى، وضمن كامل الحرية للدين والمتدينين بأن يمارسوا حياتهم على أكمل وجه في المجتمع دون أي قيود أو مضايقات.
أما "العلمانجي" العربي فقد ناصب الدين والمتدينين العداء من اللحظة الأولى، وراح يعمل بطريقة فاشية حقيرة موتورة حاقدة على استئصالهم واجتثاثهم من المجتمع.

ضد الدين..!
ولو نظرنا الآن إلى موقف العلمانجيين والليبرالجيين العرب من الإسلاميين الذين فازوا في الانتخابات، ووصلوا إلى الحكم في بعض الدول العربية لوجدناه موقفاً نازياً سافلاً بامتياز، فهم لا يريدون أي وجود أو أي دور للدين وأتباعه في الحياة العامة، ولو استطاعوا لقاموا حتى بإلغاء المساجد والجوامع، ولألغوا الدين من النفوس.
ولا عجب إذا أن ترى العلمانجيين والليبرالجيين وقد انحازوا إلى الطواغيت الساقطين والمتساقطين في بلدان الربيع العربي لمجرد أنهم كانوا على عداء مع الإسلاميين فقط لا غير.

ولاحظوا الفرق بين العلماني الغربي الذي جعل من الديمقراطية والحرية عماداً للنظام العلماني والليبرالي، والعلمانجي العربي الذي يبدو بعيداً عن الديمقراطية والحرية بُعد الشمس عن الأرض، كيف تدعي العلمانية والليبرالية التي تقوم أساساً على التحرر وفي الوقت نفسه تمارس أبشع أنواع الديكتاتورية ضد الإسلاميين.

العلمانية الغربية ليست ضد الدين، بل فقط ضد سيطرة رجال الكنيسة على السياسة، أما في مصر المنكوبة بالانقلاب فهم يريدون إقصاء الدين والمتدينين عن كل مناحي الحياة، لماذا لا يتعلمون من العلمانيين الألمان الذين سمحوا بوجود حزب يسمي نفسه "الحزب المسيحي الديمقراطي"؟
قد يقول البعض إن الحزب الألماني المذكور يسمح للعلمانيين أن يكونوا أعضاء فيه، وهذا صحيح، لكن من قال إن الإسلاميين لا يسمحون، ولا يريدون أن يتشاركوا مع العلمانيين وغيرهم في الحياة السياسية.
ألم يتشارك حزب النهضة التونسي مع شخصيات وأحزاب علمانية وليبرالية دون أية مشاكل؟، وماذا عن الشراكة الإسلامية العلمانية التي جعلت من تركيا واحدة من أقوى الاقتصاديات في العالم؟.

ألم يقل أحد الإسلاميين يوماً إنه مستعد للتعامل مع المجوس تحت قبة البرلمان؟، وفي مصر ألم يكن نائب رئيس حزب الحرية والعدالة هو د. رفيق حبيب، كما سعى لضم من يرغب من الأحزاب العلمانية في حكومة الرئيس مرسي؟
فلماذا يسمح العلماني الغربي للتوجهات الدينية بأن تمارس السياسة، بينما يعمل العلمانجي العربي على إقصاء الدين والمتدينين من الحياة العامة؟

شهدت الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة يناير مشاركة الأقباط، في تأسيس أحزاب سياسية، والانضمام إليها، مثل حزب "المصريين الأحرار" الذي أسسه رجل الأعمال نجيب ساويرس، والحزب "المصري الديمقراطي الاجتماعي".

وبعد مرحلة الصعود الكبير لجماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية، جاء الرئيس الشهيد محمد مرسي رئيسا للجمهورية في الانتخابات الرئاسية 2012، كأول رئيس مدني منتخب ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومع تفاقم الأزمة بين معسكر قوى الانقلاب الذي ضم الكنيسة والعسكر والعلمانيين إضافة للأزهر، ضد معسكر جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة في ذلك الوقت ومعها القوى الثورية التي فطنت لمخطط الانقلاب العسكري.
ازدادت حدة الاستقطاب السياسي وقتها، ودفعت محصلة هذه العوامل العلمانيين إلى العودة إلى أحضان الكنيسة مجددا لإسقاط نظام الرئيس مرسي والقضاء على جماعة الإخوان، حتى ولو كان ذلك على حساب الحريات العامة والكرامة الإنسانية وإضعاف الدولة المصرية وضخ الآلاف في المعتقلات والتفريط في سيادة الوطن وثرواته وتمكين إسرائيل.

Facebook Comments