مرت ست سنوات على أكبر مجزرة بشرية في العصر الحديث "فض اعتصام رابعة والنهضة"، إلا أن العالم كأنه يتجسد في الصورة الفنية الشهيرة للقردة الحكيمة "لا أرى لا أسمع لا أتكلم".

وطرح مرور 6 أعوام على وقوع مجزرتي فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، عقب الانقلاب العسكري، دون تحقيق تقدم على صعيد محاسبة المنفذين، تساؤلات بشأن تعثر فتح هذا الملف دوليا وتقديم المسؤولين عما جرى فيه للمحاكمة.

تواطؤ دولي

وكشفت مصادر حقوقية مستقلة وسياسية أسباب عدم فتح أي جهة تحقيق دولية حتى الآن ملف مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في صيف 2013، بالرغم من الدعاوى القضائية المرفوعة والتحركات القانونية التي أعلن عنها تباعا منذ ست سنوات.

وأرجعت المصادر التأخير في التحقيق إلى ما وصفته بالتواطؤ الدولي والاستعجال في تقديم طلبات الملاحقة، دون دراسة حقيقية لاختصاص الجهة المقدم إليها الطلب أو الشروط المطلوبة.

وقد تقدمت جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة ووزراء سابقون وحقوقيون بالعديد من الإجراءات القانونية والقضائية في السنوات الماضية، لملاحقة المتورطين في المذبحة وفي مقدمتهم رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، ولكن دون طائل.

وأرجع البرلماني السابق عز الدين الكومي، رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى سابقا، تأخير التحقيق الدولي في مذبحة رابعة العدوية إلى التواطؤ الدولي.

وقال في حديث له إن هناك تواطؤًا دوليًا لمنع تحريك الدعاوى القضائية الجنائية بسبب المصالح السياسية المشتركة، وذلك رغم وجود كل الوثائق والأدلة والنشاط الحقوقي والقانوني الإيجابي في هذا الصدد.

وأوضح الكومي أن هناك دعاوى قضائية مرفوعة في لندن وهولندا والنرويج والسويد، فضلا عن المحكمة الإفريقية التابعة للاتحاد الإفريقي في عام 2014.

وشدد البرلماني السابق على أنه تم تقديم كل الوثائق المطلوبة، لكن إلى الآن لم يصدر حكم واحد يدين من قاموا بالمذبحة بسبب أبعاد غير قانونية متصلة بالتقديرات السياسية للحكومات.

وثمّن تقارير منظمتي هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية حول المذبحة، وطالب المجتمع الدولي بتحرك إيجابي يعلي من القيم الإنسانية قبل المصالح السياسية.

وأعرب عن اعتقاده بالمحاسبة القانونية للجناة مهما طال الوقت، قائلا: إن "الجرائم لا تسقط بالتقادم وإن مرور الوقت دون إصدار حكم إدانة ليس معناه دوليا إسقاط الجرائم، ولكن التاريخ تحدث عن محاكمات تمت بعد عقود وصدرت فيها أحكام شفت الصدور".

هؤلاء مرتكبو المجزرة

ونشر نجل الرئيس الراحل محمد مرسي، عبدالله، صورة لخمسة عشر شخصية مصرية، متهما إياهم بالتخطيط وإصدار أوامر قتل المعتصمين في ميدان رابعة العدوية، الذي نظمه معارضو الانقلاب الرافضون لعزل مرسي.

ومن بين الأشخاص المنشورة صورهم المنقلب المجرم عبد الفتاح السيسي، ووزير الداخلية الأسبق الانقلابي محمد إبراهيم، والرئيس المعين وقتها المستشار المنقلب عدلي منصور، ورئيس الحكومة الانقلابية حازم الببلاوي، وقائد الحرس الجمهوري، ووزير الدفاع، ومدير المخابرات.

وكتب عبدالله معلقا على الصورة: "هؤلاء هم القتلة، تذكروهم جيدا، هؤلاء من خططوا وأمروا كلابهم بقتل شهدائنا.. قسما لنقتص منكم، وبالله لنثأرن لشهدائنا، لعنة الله عليكم أجمعين يا قتلة.. {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}".

وقبل أيام، عرضت منصة "نحن نسجل" الحقوقية تسجيلا مصورا، في الذكرى السادسة لمذبحة فض اعتصام ميدان رابعة العدوية، نشرت فيه أسماء 22 امرأة قتلن في هذا اليوم على أيدي قوات الأمن.

كما عرضت المنصة الحقوقية الرقمية صورة اثنين من القناصة تورطا في جريمة الفض.

رابعة في الذاكرة

وكانت مدينة إسطنبول التركية شهدت مؤخرا، مؤتمرا جماهيريا، بحضور قوى سياسية مصرية معارضة لسلطة الانقلاب العسكري في الخارج إحياء للذكرى السادسة لمجزرتي فض رابعة والنهضة، تحت شعار "رابعة الأمل.. رابعة الصمود".

وتضمن المؤتمر مشاهد من الاعتصام وعمليات القتل والمستشفى الميداني بالميدان، بحضور شخصيات عربية وتركية، بالإضافة إلى عرض فيلم وثائقي عن فض رابعة، وآخر عن الرئيس الراحل محمد مرسي.

وقد أوصى، باستمرار "الجهود القانونية والحقوقية كافة لدى كل المؤسسات المعنية في العالم، لفتح تحقيق دولي شفاف في كل المجازر الوحشية التي اقترفها ولايزال الانقلاب، بحق أبناء الشعب المصري".

لا يزال الملف مفتوحا بشكل كامل

بدوره، قال علاء عبد المنصف، مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان في لندنل، إن التعامل مع ملف مجزرة رابعة "لم يتم بالشكل المطلوب من الناحية الموضوعة حتى الآن، وكل ما جرى محاولات شكلية لم توضع في مسار قوي يحدث تقدما دوليا".

وأضاف عبد المنصف، في تصريح له، إن هناك محاولات جرت في السابق من قبل قيادات في جماعة الإخوان المسلمين؛ من أجل التوقيع على اتفاقية محكمة روما للمحكمة الجنائية الدولية، لكن المحاولة اصطدمت بضرورة حصول تصديق من الحكومة ومجلس الشعب المصري، بالإضافة إلى أن القضايا لا يبدأ النظر فيها إلا بعد مرور 60 يوما على التوقيع على الاتفاقية.

ولفت إلى حدوث محاولات أخرى، عبر تقديم طلبات لمقرري عمليات القتل خارج القانون في الأمم المتحدة، لكنها لم ترتق حتى الآن إلى الصورة القضائية الكاملة، ولا يزال الملف مفتوحا بشكل كامل.

آليات دولية "تعرقل" الملف

وشدد على أن الملف يجب أن "يخضع للتدقيق المشدد، قبل تقديمه للهيئات الدولية الكبرى، وعلى رأسها مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ومجلس الأمن، لضمان إحداث اختراق فيه على صعيد محاسبة المجرمين وتحصيل حقوق الضحايا".

وأكد عبد المنصف وجود آليات دولية "تعرقل" تحريك الملف بسبب الارتباطات مع النظام العسكري في مصر، خاصة أن بعض الدول "شاركت فيما حدث بمصر في تلك المرحلة، وتمنع محاسبة مرتكبي الجريمة"، لكنه في الوقت ذاته رأى ضرورة استمرار الدفع بهذا الملف و"عدم التوقف، سواء من ذوي الضحايا أو المنظمات، لحين تحقيق نتيجة ما".

وأشار إلى تأثير تشرذم المعارضة المصرية على فتح الملف دوليا، داعيا إلى توحيد الجهود و"استكمال ملفي المجزرتين من الناحيتين القانونية الفنية والسياسية، لوضع حد لتزوير التاريخ من قبل الانقلاب ولمواجهة العالم بكل قوة، ووضعه أمام مسؤولياته في ضمان عدم التغطية على مرتكبي مجزرة وتعويض عائلات الضحايا".

تفاعل دولي مستمر

وعلى الرغم من مرو ر 6 سنوات على المجزرة، تفاعل ناشطون خليجيون وعرب، مع الذكرى السادسة، لحادثة مجزرة فض اعتصام "ميدان رابعة العدوية"، من قبل قوات الانقلاب العسكرية، بقيادة عبد الفتاح السيسي.

واستذكر كتاب ومثقفون ونشطاء، مجزرة رابعة التي راح ضحيتها الآلاف بين قتيل وجريح، وهي التي أعقبت الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، محمد مرسي.

ولفت ناشطون إلى ضرورة عدم نسيان الدور الخليجي السلبي في المجزرة، والذي تمثل بتقديم مليارات الدولارات إلى سلطات الانقلاب، وإعطائها شرعية، أدت بالأخيرة إلى ارتكاب مجزرة دون الاكتراث بالنتائج.

يحتاج لوقت

في حين قالت سلمى أشرف مديرة منظمة هيومن رايتس مونيتور: إن المنظمات والهيئات الحقوقية قامت بدور كبير في رصد ما حدث برابعة والنهضة وتوثيقه، وسعت لرفع قضايا دولية "لكن أيا منها لم ينجح حتى الآن".

وأوضحت سلمى أن العديد من المخاطبات الحقوقية وجهت للمحكمة الجنائية الدولية، لكن "ملفا من هذا النوع يأخذ وقتا طويلا ليتحرك بشكل فعلي"، مشددة على وجود ملف كامل تم رصده، يحدد المسؤولين عن المجزرتين، والعديد منهم لا يزال على رأس السلطة بمصر.

وأشارت إلى جهود واتصالات، تجري مع دول من أجل المساهمة بدفع ملف محاسبة مرتكبي المجزرتين، لكن حتى الآن "الإرادة السياسية مفقودة لتحقيق العدالة، وتحصيل حقوق ذوي الضحايا والمتضررين".

وقالت سلمى: إن منظمتها وثقت وقوع 1182 حالة قتل برصاص القناصة داخل ميدان رابعة، مشددة على أن الوصول للشهود وأهالي الضحايا والمصابين "سهل في حال توفرت إرادة دولية للمحاسبة" رغم وجود مخاوف لدى بعض الشهود داخل مصر؛ بسبب الإخفاء القسري والانتهاكات التي يمكن أن تحدث في حال أرادوا تقديم ما لديهم.

وبشأن العقبات التي تواجه تحقيق تقدم في ملف المحاسبة، أشارت إلى أن هناك قضايا رفعت، لكنها ليست معلنة ولا يمكن الخوض في تفاصيلها حاليا، إضافة إلى أن بعض الدول التي كانت في السابق تسمح برفع قضايا من هذا النوع أمام محاكمها، "قامت بتغيير بنود قانونية تجعل من التقاضي أمرا أكثر صعوبة، بسبب ارتباطاتها مع النظام العسكري بمصر".

لجنة تقصي حقائق

بينما دعت "المنظمة العربية لحقوق الإنسان"، الأمين العام للأمم المتحدة إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق كاملة الصلاحيات للكشف عن الجرائم التي ارتكبت في مصر في أعقاب الثالث من يوليو 2013 وحتى الآن ومحاسبة المسؤولين عنها.

وقالت المنظمة في بيان لها في الذكرى السادسة لمجزرة فض اعتصامات رابعة العدوية وميدان النهضة وعدد من الميادين في المحافظات المصرية الأخرى إنه ما زال مرتكبو الجريمة مفلتين من العقاب بشكل كامل، بينما يُحاكم الضحايا وذووهم ويواجهون عقوبات قاسية وصلت إلى الإعدام والسجن المؤبد.

واعتبرت المنظمة أن السلطة القضائية المصرية شاركت بشكل مباشر في الجريمة، حيث امتنعت منذ بداية أحداث الثالث من يوليو 2013 وحتى الآن عن تحريك أي دعوى جنائية أو تحقيق قضائي في أي من عمليات القتل الجماعي التي تمت في تلك الفترة.

فيسبوك