من المؤكد أن وزارة الصحة والسكان بحكومة الانقلاب لن تتمكن من الوقوف أمام حيتان وأباطرة القطاع الخاص والاستثماري الذي يحتكرون القطاع الطبي الخاص بمصر، بشأن لجم الأسعار الفلكية لعلاج المصابين بفيروس "كوفيد ــ19" المعروف بكورونا، والتي تصل ما بين 50 ألفا إلى 250 ألفا وربما أكثر من ذلك؛ لأن الإمارات "العبرية" المتحدة تحتكر وحدها عن طريق شركة أبراج كابيتال ما يصل إلى نصف الخدمة والرعاية الطبية الخاصة بمصر.

وبعكس ما جرى في إيطاليا التي خصصت مستشفياتها منذ عشر سنوات، لكنها في ظل أزمة تفشي الوباء قررت السيطرة على كل المستشفيات وإدارتها، ثم محاسبة أصحاب المستشفيات الخاصة بالسعر المحدد من قبل الحكومة، تعجز حكومة الانقلاب في مصر عن فرض المصلحة القومية العليا على أباطرة وحيتان القطاع الخاص الطبي في مصر لأسباب معظمها يعود إلى احتكار شركات إماراتية لخدمات الرعاية الصحية في مصر.

وكانت وزيرة الصحة والسكان قد قررت، الأسبوع الماضي، تحديد قيمة الرعاية الصحية المقدمة للمصابين بكورونا في المستشفيات الخاصة والاستثمارية وفقا لنوعية الخدمة المقدمة؛ حيث يصل سعر اليوم الواحد في غرفة العزل العادية إلى ما بين "1500 إلى 3000ج"، واليوم الواحد في الرعاية المركزة بجهاز تنفس صناعي ما بين "7000 إلى 10000"، واليوم الواحد في الرعاية المركزة بدون جهاز تنفس صناعي ما بين "5000 إلى 7000ج".

لكن غرفة مقدمي خدمة الرعاية الصحية باتحاد الصناعات رفضت هذه التسعيرة، وأعلنت انسحابها من تقديم الخدمات الطبية في مصر، وطلبت لقاء مع وزيرة الصحة من أجل التفاوض بشأن تسعير الخدمة الطبية التي تمثل حقا أساسيا ودستوريا من حقوق المواطن المصري باتت الحكومة غير قادرة على الوفاء به، في ظل انهيار القطاع الصحي وعدم قدرته على استيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين بعدوى كورونا.

«التسعير العادل» من وجهة نظر المستشفيات الاستثمارية والخاصة هو أن تكون تكلفة اليوم الواحد للمريض بالعزل بالقسم الداخلي: 18 ألف جنيه للفئة الأولى، و11 ألف جنيه للفئة الثانية، وسبعة آلاف للفئة الثالثة، فيما تتراوح تسعيرة «الصحة» ما بين 1500 و3000 جنيه.

وشمل مطلب المستشفيات الخاصة تسعير خدمة الرعاية المركزة، شاملةً جهاز التنفس الصناعي، بـ 25 ألف جنيه للفئة الأولى، و18 ألفًا للثانية و10 آلاف للثالثة، فيما يتراوح المبلغ الذي حددته الوزارة ما بين 7.5 و10 آلاف جنيه. معنى هذا أن المريض صاحب الأعراض الخطيرة إذا تلقى رعاية بجهاز تنفس صناعي لمدة 14 يوما فقط سوف تتكلف عليه نحو 350 ألف جنيه.

تحذيرات نقابية ورقابية

وفي أعقاب الانقلاب، قبل التوسع الضخم والهائل لشركة "أبراج كابيتال"، حذرت كل من نقابة الأطباء وهيئة الرقابة الإدارية من سيطرة الشركة الإماراتية على القطاع الطبي الخاص في مصر، وطالبت بضرورة الحصول على موافقات الأجهزة السيادية قبل بيع أي مصنع أدوية أو مستشفى، وحددت بالنص الشركات التي تعمل في الرعاية الصحية والأدوية.

وقبل أكثر من سنة، اتهمت قيادات بشركة "أبراج كابيتال" بالاحتيال المالي، وغسيل الأموال، والاختلاس، والرشوة، ومنهم: المؤسس والرئيس التنفيذي السابق للشركة عارف نقفي؛ والذي قبض عليه في لندن وخرج بكفالة قيمتها (19 مليون دولار)، ومصطفى عبد الودود المدير الشريك، والذي قبض عليه في أمريكا وخرج بكفالة (10 ملايين دولار). وترجح تقارير احتمال صدور أحكام ضدهم بالسجن لمدة 125 عامًا، إذا تمت إدانتهم في جميع التهم الموجهة لهم.

ورغم صدور قرار إداري رقم 497 لسنة 2014م، بحظر التصرف بالبيع أو الإيجار في المستشفيات الخاصة ومصانع الأدوية، إلا أن الشركة الإماراتية- عبر حيتان المافيا ونفوذها العميق في مصر- تمكنت من السيطرة على القطاع الطبي الخاص بمصر وسط مباركة من السيسي وأجهزته السيادية كمكافأة لأبو ظبي على دورها الريادي في إنجاح انقلاب 30 يونيو 2013م.

احتكار إماراتي

وبحسب مراقبين، فإن غرفة اتحاد تقديم الخدمات الطبية باتحاد الصناعات يستمد هذه القوة في الوقوف أمام حكومة الانقلاب من النفوذ الإماراتي، حيث تحتكر شركة "أبراج كابيتال" ما يربو على 35% من الخدمات الصحية الخاصة بمصر.

ومنذ سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، تمكنت شركة أبراج كابيتال الإماراتية من شراء جزء معتبر من المستشفيات المصرية الكبرى من الفئتين الأولى والثانية، ومنها: الشروق، والقاهرة التخصصية، وكليوباترا، والنيل بدراوي، والكاتب، والنخيل، والجولف، وتأجير طويل المدى لمستشفى كوينز، إضافة إلى مركز علاجي بالتجمع الخامس، وعدد من العيادات الخاصة الملحق بها عدد من الصيدليات، وبجانب الاستحواذ على غالبية أسهم معملي البرج والمختبر، وبذلك تسيطر شركة "أبراج كابيتال الإماراتية،" بحصة تعادل تقريبا 35% من القطاع الصحي الخاص في مصر.

وخلال عدة شهور مضت، كانت الشركة الإماراتية  تتفاوض مع مجموعة "ألاميدا" لشراء مستشفى السلام الدولي بالمعادي، ومستشفى السلام الدولي بالقطامية، ومستشفى دار الفؤاد 6 أكتوبر، ومستشفى دار الفؤاد مدينة نصر، ومعامل يونى لاب، وإلكسير للمناظير وطبيبي. وهي الصفقة الكبرى التي إذا نجحت فسوف يعني ذلك أن الشركة الإماراتية سوف تحتكر وحدها 50% من القطاع الصحي الخاص في مصر.

ومن أبعاد الاحتكار الإماراتي للخدمات الطبية الخاصة بمصر، تتجه شركة أبراج كابيتال نحو التفاوض على شراء شركة "آمون" للأدوية، وتسعى للسيطرة على مصنعين للأدوية في مدينة بدر، وأكتوبر، ومستشفى في شرق القاهرة.

أبعاد خطيرة

البعد الأكثر خطورة في الأزمة، أنه بدعوى الارتقاء بمنظومة التأمين الصحي الشامل، وقعت حكومة الانقلاب ممثلة في وزارة الصحة بروتوكولا مع الشركات الاستثمارية والخاصة لإسناد إدارة مستشفيات التأمين الصحي الشامل في بورسعيد إلى الشركات الخاصة، فمثلا مستشفيات التضامن، والنصر للأطفال، والنساء والولادة، تدار من قبل مجموعة مستشفيات كليوبترا الخاضعة شركة "أبراج كابيتال"، ومستشفى بور فؤاد تدار من قبل شركة "ألاميدا"، وهذه تمثل المرحلة الأولى التي تشمل أيضا الإسماعلية والسويس وشمال وجنوب سيناء. وبحسب خبراء ومحللين، فإن الخطر هنا ليس فقط على المستشفيات الخاصة التي يعتبر روادها ميسوري الحال نسبيا بل تمتد الخطورة نحو مستشفيات الفقراء والغلابة.

وينتقد خبراء احتكار الشركة الإمارتية لقطاع الرعاية الطبية في مصر، باعتبارها لم تقدم استثمارا جيدا وحقيقيًا، ولم تسهم في بناء صروح طبية جديدة أو تعظيم البنية التحتية للقطاع الصحي، بقدر ما  اكتفت باحتكار ما هو قائم بالفعل.

وبحسب مراقبين ظهرت الآثار الكارثية للاحتكار الإماراتي للقطاع الطبي في مصر خلال أزمة تفشي كورونا، حيث ارتفعت أسعار الرعاية الصحية إلى ما بين 5 إلى 10 أضعاف الأسعار قبلها. فتكلفة اليوم قبل أزمة كورونا كانت تصل إلى 10 آلاف لكن الشركات الإماراتية رفعتها إلى 50 ألفا مرة واحدة استغلالا للأزمة واستنزافا لجيوب المصريين؛ ولهذه الأسباب عارضت شركة "أبراج كابيتال"وألاميدا" التسعيرة الحكومية بوجه مكشوف دون خجل؛ لأنهم في النهاية مصاصو دماء هدفهم هو الثراء الفاحش على حساب المصريين.

Facebook Comments