بعد خروج تظاهرات جماهيرية في عدد من المحافظات المصرية 20 من سبتمبر/أيلول، شارك فيها شباب وشابات وبعض كبار السن، فى مشهد غير مسبوق منذ سنوات، تتراوح التوقعات لرد فعل النظام الحاكم فى حال استمرار بقائه لفترة من الوقت، بين اتجاهين رئيسيين: أولهما الإنتقام مما حدث بمزيد من البطش لتخويف الجميع، استمرارا للأسلوب الذي انتهجه منذ مجيئه لتوطيد أركانه.

والخيار الثانى هو محاولة التهدئة لاكتساب المزيد من الوقت لترتيب الأمور، حتى يمكن العودة مرة أخرى لسياسة العقاب والاستبعاد المعتادة، وفى ضوء بعض المعطيات أجدني ميالا للخيار الثاني، استنادا لبعض الأحداث، ومنها ضعف ثقة الحاكم في أدوات البطش التي اعتاد استخدامها، في ضوء ما حدث من تساهل بعض هؤلاء التابعين به، مع المتظاهرين والعودة لاستخدام الشرطة العصى في أكثر من مكان للتظاهرات، بدلا عن الرصاص المطاطي والخرطوش الذي انتشر استخدامه مسبقا لمواجهة المتظاهرين.

وأيضا غياب الصورة التقليدية لمدرعات الجيش ورجاله مفتولي العضلات، التي ظلت تملأ وسائل الإعلام الرسمية قبيل كل حدث جماهيرى مرتقب سواء ذكرى مناسبة معينة أو استحقاق انتخابي.

ليتم استبدالها صباح يوم الجمعة العشرين من سبتمبر/أيلول بالعديد من الأخبار الجماهيرية، مثل التأكيد على عدم حذف أحد من منظومة الخبز المدعم، وإعطاء مهلة إضافية للمحذوفين من البطاقات التموينية المدعمة للتظلم من الحذف، وتقديم خدمات علاجية مجانية من خلال قوافل طبية بالمحافظات، والتأكيد على ان نسبة 20 % من عائدات تقنين الأراضى سيتم توجيهها لرفع مستوى الخدمات الجماهيرية، وصرف علاوة 10 % للعاملين بمصانع المنطقة الحرة بمحافظة الإسماعيلية.

النظام يعاني حالة من الارتباك
إن النظام يعيش حالة من الارتباك، لدرجة أنه لم يصدر بيانا رسميا حول ما حدث مساء العشرين من سبتمبرأيلول حتى عصر اليوم التالى موعد كتابة تلك السطور ، وهو الارتباك الذى بدأ بتحديد عدد عشرة آلاف مشجع لحضور مباراة الأهلى والزمالك بواقع خمسة آلاف لكل فريق ، رغم النظام الجديد لدخول المباريات الذى يتيح التعرف على شخصية كل متفرج مسبقا، وكان تصوير المواقع الإخبارية الرسمية لهؤلاء المتفرجين، الذين لم يحضر كثير منهم، بالمدرجات من الخلف من دون إظهار وجوههم، مثيرا للتساؤل حول الجهات التى قدموا منها .

كذلك كان تقديم موعد المباراة ساعة ليتوافق مع الموعد الذي حدده المقاول محمد على للوقفة التى دعا لها، لإجهاض تلك الوقفة حيث يتفرغ الناس لمتابعة المباراة، فى ضوء الخبرة المعروفة من خلو الشوارع من المارة عادة خلال تلك المباراة الجماهيرية، لكن هذا التقديم للموعد أتاح للمقاول تغيير الموعد لما بعد المباراة، وهو توقيت أكثر ملاءمة.

حيث إن لكل فريق جماهيريته وفوز أحدهما يدفع أنصاره عادة للخروج للشوارع للاحتفال بالفوز، وكان الفريق الفائر هو الأكثر جماهيرية ما أتاح الفرصة لخروج أكثر حجما. كما أتاح تغيير موعد الوقفة إلى ما بعد المباراة إمكانية امتداد مدتها حسبما يقرر المتظاهرون، وهو ما أدى لإستمرار بعضها الى قرب الفجر.

السعي لاستعادة الشعبية وشغل الناس
واستنادا لما صرح به أحد الإعلاميين المقربين من النظام مؤخرا، من تجهيز الجنرال لمبادرة سياسية أكثر انفتاحا في العام القادم، وتكليف الجنرال للبرلمان أثناء مؤتمر الشباب الأخير، بسرعة التحضير لانتخابات المحليات وانتخابات مجلس الشورى، فإنه يمكن استثمار انتخابات المحليات الأوسع فى عدد المرشحين والأكثر اتصالا بالخدمات الجماهيرية للمواطنين، لشغل الناس لبعض الوقت، ونفس الأمر مع انتخابات مجلس الشورى.

كما يتوقع التركيز على بعض الأخبار الجماهيرية مثل إعادة طرح مسألة العلاوت الخمس المتأخر صرفها لأصحاب المعاشات منذ سنوات، والتي تم استدعاؤها قبيل الإستفتاء على الدستور، ثم التصريح بصعوبة تنفيذها ماليا بعد انتهاء الاستفتاء.

كما يتوقع بقاء أسعار المنتجات البترولية كما هى خلال الإعلان الفصلى عن أسعارها حسب الآلية الجديدة لتحديد أسعار الوقود، وإصدار قرارات جماهيرية أخرى لاستعادة بعض الشعبية الجماهيرية، ولو على حساب بنود الاتفاق مع صندوق النقد الدولى لخفض الإنفاق بالموازنة، حيث يمكن التبرير للصندوق بالتوتر الاجتماعي، وكذلك يتوقع منح المزيد من المزايا للشرطة والجيش حرصا على استمرار الولاء.

ولكن هل تفلح تلك الإجراءات المتوقعة فى استعادة الشعبية والثقة بعد كسر هيبة الحاكم، وتمزيق صوره ودهسها على مرأى من الشرطة؟ بالطبع لن تؤثر لدى من يعارضون النظام، والذين لن يرضوا بديلا عن خروج المعتقلين وعودة الحكم المدني، ولكن هناك قطاعات شعبية تؤثر السلامة عادة، مثل أصحاب المعاشات، يمكن ان تستميل هذه الإجراءات كثيرا منهم، إلى جانب المستفيدين من النظام الحالى ولو بتركهم يمارسون الرشوة والتهريب وأشكال الانحراف المتعددة.

وتظل كل تلك التوقعات السابقة مرهونة بمدى التصعيد الجماهيري الرافض للنظام الحاكم، فربما يكون الوقت المتبقى للنظام غير كافٍ للتصرف، سواء بالمزيد من البطش، أو بالقيام بإجراءات تهدئة واستمالة للجماهير!
نقلاً عن “الجزيرة مباشر”

Facebook Comments