المثقفون هم رأس الأمة، وقدواتها، العقلاء النجباء؛ من متميزى الصحفيين والكتَّاب والأدباء وعلماء الدين وخبراء الاختصاص والأكاديميين، ونوابغ القضاة والسياسيين والعسكريين والدبلوماسيين وغيرهم. وهم قادة الرأى فى أى بلد، عليهم دور ريادى وتوجيهى وإصلاحى لا يقوم به غيرهم.

ولقد بحثتُ عن هؤلاء النفر عندنا فما وجدتُ لهم أثرًا، بل وجدتهم نائمين فى حضن السلطة -إلا من رحم ربى؛ وهم قليلون-، ووجدتهم كَذَبَة مُدَلِّسين، يستخدمهم النظام لفترة، فإذا استنفد ما عندهم من النفاق ألقاهم -دون اكتراث- وأتى بغيرهم ممن يسلكون مسلكهم وينتهجون طريقتهم.
شاهدتُ «فيديوهين» لمذيعتين كانتا ضمن فريق الإجرام الإعلامى التابع للعسكر؛ أما الأولى فأخذتْ فرصتها كاملة فى الظهور خلال السنوات الست المنصرمة، وزوجها ضابط سابق عُرف بالقسوة وهو برلمانى مسئول الآن؛ ورغم ذلك استغنوا عنها فتحدثت حديث المجروح -وهى خارج مصر- شارحة المصيبة التى يعانيها البلد الآن، وحجم «الكبت» الإعلامى الذى كانت تتعرض له [أخبرنى البعض أنها تراجعت عن هذا الاعتراف ولم يتسن لى مراجعة ذلك]. أما الأخرى -التى أقسمت إنها لن تعود إلى الإعلام والتمثيل مرة أخرى- فهى أيضًا من الوجوه اللاصقة بالعسكر، وكانوا قد سجنوها من قبل ثم أفرجوا عنها ليعزلوها مرة أخرى -وكلتاهما تضع أمامنا الصورة واضحة بلا أية «رتوش»:   لم يعد فى مصر شىء اسمه «مثقف» ذو مبدأ ومعتقد، إنسانى الطبع، ذو قلب وضمير. كان هذا فى زمن مضى؛ حيث كنا نسمع عمن استقال من منصبه الكبير اعتراضًا على إجحاف السلطة، أو عمن وقّعوا على بيان لانحراف رأوه فى المنظومة الحاكمة، أو عن اعتصامات لمثقفين فى نقابة أو اتحاد أو رابطة ما لدى شعورهم بالخطر على البلد؛ حيث كانوا أهم «القوى الناعمة» التى تستطيع أن تغير ما لا تغيره السنون؛ خصوصًا أن لهم أيادى عند الجميع بمن فيهم الحكام.. أما اليوم فقد اختلطت الصفوف، واختلّت المعادلة حتى صار الأقزام يتحكمون فى مصائر الخلق.

لقد ساءك -كما ساءنى- مشهد أستاذ القلب القبطى الكبير جالسًا بجوار رأس الانقلاب، وساءك أيضًا انحياز رائد زراعة الكُلى للعسكر ودفاعه عنهم بالباطل، وساءك تزلُّف العالم المصرى الأمريكى الحاصل على نوبل لهم قبل رحيله، وبالتأكيد سألت نفسك: ما الذى يجعل هؤلاء -وهم أكابر فى تخصصهم ولهم سمعتهم الدولية- مطية للذين لا يفرقون بين مواضع همزة الألف؟ هل هو الضغط والتخويف؟ هل هو التهديد لمصالحهم الخاصة ومصائر ذويهم؟ أم أن ذلك مبادرة من هؤلاء (الكبار!) لخلل فى الضمير؛ ولعدم استيعاب المعنى الحقيقى لفلسفة الحياة فينطبق عليهم ما ينطبق على (الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن  الآخرة هم غافلون)؟
أنا أرجح أنه خلل لدى هؤلاء ومن على شاكلتهم؛ لأن أمثالهم لن يُعدموا العيش كما لن يُعدموا القبر لو استغنوا عن مصر بجملتها. وقد تأكدتُ من ذلك من سلوك شخصيتين «مثقفتين» أخريين التقيتهما قريبًا؛ أما أحدهما فقد التقيته رأى العين، والآخر من خلال سيرته الذاتية التى لم تنشر بعدُ؛ إذ كلاهما غير مشغول -من قريب أو بعيد- بما تشهده المحروسة من كوارث، كلُّ ما يشغلهما المناصب التى يتطلعان إليها، والجوائز التى حصلا وسوف يحصلان عليها، ومصير أبنائهما وحظهم من الوظائف الحكومية وأيها أفضل من الأخرى. أما «الضمير» و«الإنسانية» و«الوازع» و«الوطن» فلا وجود لها فى تفكيرهما، بل هناك جبن وتخاذل، وحديث فى التفاهات وحكاوى المزاج والانفلاتات.

وإذا كان ثمة رأى يقول إن ما ينطبق على المواطن العادى ينطبق على المثقف؛  حيث هناك متسع الآن لالتماس الأعذار لمن لا يستطيعون مواجهة النظام الذى يتسلح بأسلحة الجيوش المحاربة فى مواجهة شعبه. أقول: لا يستوى المثقف بالتأكيد مع المواطن؛ لأنه يملك ما لا يملك، ويستطيع ما لا يستطيع، ولديه التأثير فى الآخرين فى حين لا يملك المواطن ذلك؛ ألا ترى أنه يملك القلم واللسان ووسائلهما؟ وله القدرة على الفهم والتحليل والاستنباط؟ ثم إنه يعلم أنه وضرباءه عليهم واجب البلاغ والنذارة ويعلمون ضريبة ذلك؟

إننى أشفق على جبهة المعارضة الحالية التى لا تتشكل سوى من المضارين من عسف النظام وظلمه، خالية من «متطوعى» أهل الضمير. ولو أن هؤلاء المثقفين كانوا جزءًا من هذه المعارضة لحازوا شرف الأولين والآخرين ولخُلِّد ذكرهم فى العالمين؛ لما ألت إليه أوضاع البلاد والعباد من انهيار وضياع، أما وأنهم قد استنكفوا واجبهم ومضوا فى ركب المستبدين؛ فإنهم يتحملون تبعات ما وقع ويقع من إجرام، وقد صاروا جزءًا من تلك المنظومة الإرهابية الحاكمة.

Facebook Comments