حلت أمس 14 أغسطس 2020 الذكرى السابعة لمجزرتي "رابعة" و"النهضة"، بعدما هاجمت الشرطة والجيش آلاف المعتصمين في ميداني رابعة العدوية شرق القاهرة، و"النهضة" قرب جامعة القاهرة، وقتلت ما لا يقل عن ألف معتصم (بحسب شهادة رئيس الوزراء حينئذ حازم الببلاوي)، و100 في اعتصام النهضة.

7 سنوات مرت على المجزرة التي استنفر لها العالم كله، واعترف بجرمها شيخ الأزهر فذهب ليعتصم في قريته غاضبا لإهدار دماء المعتصمين، ولكن لأن الجلاد والقاتل بات هو الحاكم وهو من يمسك في يده ميزان العدالة، فقد ضاعت حقوق الضحايا، ومع تغلب لغة المصالح في العالم، تغاضى الجميع عن الجريمة ولم يعد أحد يطالب بعقاب القاتل، باستثناء المنظمات الحقوقية.

فالنظام الذي جاء عقب انقلاب 3 يوليو 2013، يقوده وزير الدفاع الذي شارك في تنفيذ المجزرة، ومن ثم يصعب تصور أن يأتي بالعدالة للضحايا وإلا سيدين نفسه، كما أن ذات النظام بات يعتبر جماعة الإخوان المسلمين "إرهابية".. ويزعم أنه يخوض حربا ضدها كما قال السيسي، ومن ثم فدماء أنصارها حلال ولا عقاب على من قاموا بقتل المعتصمين.

 

لا تحقيقات

والقضاء الذي هو جزء من النظام، لم يعد يعترف بقتل المعتصمين، ويرفض التحقيق في قتلهم، وعلى العكس قام بمحاكمة من نجا من القتل بموجب اتهامات تعتبرهم "إرهابيين"، وحكم عليهم بالإعدام او السجن طويل الاجل.

فالنظام القضائي لم يحقق في أي اتهامات للسلطة بشأن ما حدث للضحايا في فض اعتصامي "رابعة" و"النهضة" على أيدي قوات من الجيش والشرطة.

كما أقر البرلمان الانقلابي قانون في 16 يوليو 2018، يحمي قادة الجيش من المساءلة عن هذه المجزرة ويعطيهم حصانة دبلوماسية في الخارج، ونص القانون بوضوح على عدم جواز محاسبتهم أو اتخاذ إجراء قضائي ضدهم عما دار في الفترة بين 3 يوليو 2013 و8 يونيو 2014 (منذ العزل وحتى بعد الفض) إلا بإذن من المجلس الأعلى للقوات المسلحة (يترأسه السيسي)!!

وما قيل عن مصالحة مجتمعية أو وزارة للعدالة الانتقالية، لتبريد وقع المجزرة داخليا أو خارجيا، أنتهي بإلغاء الوزارة عام 2015 وعدم الاعتراف بالمادة 214 من الدستور الذي نصت على ذلك، ليبقي الانتقام فقط من جانب السلطة لخصومها، وينتهي الامر بإدانة المعتصمين في التقرير النهائي للجنة تقصى حقائق 30 يونيو، ما يعني أنه ليس لهم حقوق، والشهداء عدالتهم عند ربهم.

فقد اعتبر التقرير الحكومي الذي جاء عقب الانقلاب وفض الاعتصام وشرعية النظام الجديد التي قامت على عزل كل ما له صله بالإخوان، إن "اعتصام رابعة كان مسلحا، وأول قتيل من الشرطة"، وزعم إن "الإخوان نقلت جثثا من المرج والسلام والنهضة لرابعة، وكل من قتلوا كانوا 8 من الشرطة و860 من معتصمي رابعة والنهضة والمنصة".

بل لقد اعترف السيسي باستحالة المصالحة مع الاخوان معلقا الامر على اتهام مستمر للإخوان بانتهاج العنف رغم انهم باتوا ما بين قتيل ومعتقل وهارب خارج مصر.

وحين سأله مذيع برنامج 60 دقيقة 60Minutes على قناة CBS في يناير 2019 عما إذا كان قد أصدر الأمر بقتل ألف من المعتصمين في رابعة، برر السيسي قائلا: "كان هناك الآلاف من المسلحين في الاعتصام لأكثر من 40 يومًا، لقد حاولنا كل وسيلة سلمية صرفهم".

وتابع: "عندما تكون هناك أقلية تحاول فرض عقيدتهم المتطرفة، علينا أن نتدخل بغض النظر عن أعدادهم"!! وهو تأكيد على أنه من أصدر أوامر فض الاعتصام.

https://www.cbsnews.com/news/egypt-president-abdel-fattah-el-sisi-denies-holding-political-prisoners/?fbclid=IwAR3QQKQCFLV7NCogeJ7sSNSdBi6jud5AMcV5U_juaybv10o09pOHIKPsDIg

https://fadrab3a.wordpress.com/

وقال أسامة هيكل، وزير الإعلام الحالي بحكومة الانقلاب في مايو 2017: "نص الدستور متضمن عمل مصالحة وطنية، والمقصود بها مصالحة جماعة الإخوان، وهو أمر لا يمكن تقبله في ظل العنف الممنهج من الإخوان".

ولا يزال مسجد رابعة العدوية نفسه الذي شهد الجريمة مغلقا، وتسعى السلطة لطمس معالمها بأي شكل حتى إنها قامت بتغيير اسم الميدان الشهير باسم "هشام بركات" النائب العام الذي قتل في حادث إرهابي.

‎الجرائم لا تسقط بالتقادم

وبرغم ذلك لا تزال العديد من المنظمات الحقوقية تري ان حقوق الضحايا محفوظة تحت لافتة أن "الجرائم لا تسقط بالتقادم"، وتسعي لتتبع ومحاولة مقاضاة بعض من شاركوا في هذه الجريمة، وأخرها سعي محامون موكلون عن محمد سلطان في امريكا لمعاقبة رئيس الوزراء الذي أصدر امر فض الاعتصام حازم الببلاوي، رغم حماية وزارة الخارجية الامريكية له وإعطائه نوعا من الحصانة.

ويسعى أنصار الضحايا للتعوين على التحرك الإعلامي وإحياء الذاكرة سنويا لترسيخ بقاء القضية حية، وتذكير العالم بأبشع جريمة شهدتها مصر، ورصد شهادات شهود عيان لا يزالون على قيد الحياة، وشهادات منظمات حقوقية دولية مثل العفو الدولية وهيومان رايتس وواتش وغيرها.

وكان أحدث البيانات من "هيومن رايتس ووتش"، في يونيو الماضي، قالت فيه إن "مذبحة رابعة، التي لم تحقق فيها السلطات المصرية حتى بعد سبع سنوات، كانت أسوأ واقعة قتل جماعي للمتظاهرين في التاريخ الحديث"، وأضافت المنظمة الحقوقية الدولية أنها "دعت مرارا وتكرارا إلى فتح تحقيق دولي مستقل في مذبحة رابعة، فيما لم يخضع أي مسؤول للتحقيق أو المقاضاة وحُكم على الكثير من الناجين بالإعدام والسجن لفترات طويلة في محاكمات غير عادلة".

4 اسباب للإفلات من العقاب

يمكن رصد 4 اسباب وراء استمرار إفلات من نفذوا المجزرة من العقاب حتى الآن على النحو التالي:

  1. يصعب تصور أن يحاكم نظام نفسه على جريمة متهم بها، خاصة أنه حصن نفسه ومن قاموا بالمجزرة بسلسلة قوانين وتعديلات دستورية وامتيازات، فضلا عن جلب العدالة لمن يصفهم النظام بأنهم "إرهابيون" جرى اتهامهم برفع السلاح في الاعتصام وقتلهم 8 من رجال الشرطة.
  2. أصدر عبد الفتاح السيسي، قانونا يحصن ضباط الجيش من المسئولية عن جرائمهم منذ تاريخ الانقلاب وحتى عام 2016 وهي الفترة التي شهدت مجزرة رابعة والنهضة والحرس الجمهوري ورمسيس وغيرها من بين 27 مواجهة واحتجاجا في كافة انحاء مصر انتهت بمقتل العشرات، وإعطائهم صفة دبلوماسية خلال سفرهم بما يمنع ملاحقتهم خارج مصر.
  3. التواطؤ الدولي مع قادة وسلطة نظام السيسي بسبب استفادة أمريكا وأوروبا والعدو الصهيوني ودول أخرى من وجود السيسي على رأس السلطة في تحقيق مصلحهم داخل مصر أو على المستوى الإقليمي، وتقديم خدمات لهم.
  4. كراهية حكومات واستخبارات الغرب للربيع العربي على عكس ما يبدو في تصريحاتهم المتعاطفة خصوصا بعدما ثبت لهم أن الفائز من الديمقراطية الحقيقية والانتخابات الحرة التي تلت هذا الربيع هو التيار الاسلامي والمخاوف من عودة العالم العربي لجذوره وهويته الإسلامية على يد هذا التيار.

سؤال كل عام "كم عدد الشهداء"؟

ويتكرر كل عام السؤال عن العدد الحقيقي للقتلى دون إجابة، ولا تزال الارقام الحقيقية للقتلى والمجهولين غير معروفه، وكان أبرز ما قيل هو ما يلي:

  • وزارة الصحة المصرية أعلنت رسميًّا يوم 15 أغسطس 2013، بعد يوم واحد من الفض، سقوط 638 قتيلا و3994 مصابًا على مستوى مصر كلها، قالت ان منهم 333 قتيلا مدني و7 ضباط سقطوا في رابعة، ثم توقفت عن إصدار بيانات منذ 16 أغسطس 2013.
  • وفي 28 أغسطس 2013، قال رئيس الوزراء في ذلك الحين (حازم الببلاوي)، الذي أصدر أمر فض الاعتصام بالقوة، عقب الفض، في حوار مع محطة التلفزيون الأمريكية ABC إن قتلي رابعة كانوا ألف مصري.
  • جاء في تقرير "لجنة تقصي حقائق 30 يونيو" المشكلة بقرار جمهوري، أن عدد الضحايا 607 في ميدان رابعة العدوية، من بينهم بعض المواطنين، "قتلوا برصاص مسلحي التجمع"، بحسب التقرير، و88 قتيلا في فض ميدان النهضة.
  • المجلس القومي لحقوق الإنسان (حكومي) ذكر أن عدد القتلى بفض ميدان رابعة العدوية 624، فيما بلغ عدد الضحايا في النهضة أكثر من 80 قتيل.
  • المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قالت في تقرير بعنوان: "أسابيع القتل"، إن عدد القتلى في رابعة بلغ 932 وفي النهضة 87 حالة.
  • قدر موقع "ويكي ثورة" الحقوقي عدد من قتلوا في رابعة فقط بـ 1542 قتيلا، وقال انه وثق 904 حالة قتل جمعت من أماكن عدة في محيط رابعة العدوية ومسجد الإيمان، كان من بينهم 259 جثة مجهولة الهوية.
  • تحدثت صحيفة "الوطن" الخاصة القريبة من السلطة في اليوم الثالث للفض عن ارتفاع عدد قتلى "رابعة" إلى 743 بعد الانتهاء من تشريح 43 جثة جديدة.
  • قامت سيدة تدعي "دينا كشك" بدفن حوالي 35 جثة لمجهولين جثثهم بعضهم متفحمة، ظلت في المشرحة اياما دون التعرف عليهم.
  • قبل انتهاء الفض الكامل أعلنت "مستشفى رابعة العدوية" في اخر بيانها أنها أحصت 2200 جثة، فيما قالت جماعة الإخوان المسلمين، وتحالف دعم الشرعية، بعد فض الاعتصامين، في تصريحات لأعضائها، أن عدد من سقطوا في ميدان رابعة وحده بلغ 2600 قتيل.
  • في 14 اغسطس 2015، ذكر تقرير هيومن رايتس ووتش أن عدد القتلى في ميدان رابعة وصل 817 حالة، وفي النهضة 87 حالة، وهناك 40 جثة كانت محترقة، وانتقد عدم احتجاز أي مسؤول حكومي أو من قوات الأمن المسؤولة عن القتل الجماعي للمتظاهرين في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة.
  • في 2016 طالب منظمة "هيومن رايتس ووتش"، بتعويض اسر 1185 من ضحايا رابعة والنهضة، ودعت للتحقيق في "واقعة القتل الجماعي للمتظاهرين في 2013".
  • في التقرير الذي أعده المجلس القومي لحقوق الإنسان (الحكومي) عام 2015، وغطي الفترة من 30 يونيو 2013 لسبتمبر 2014، ذكر التقرير أن اعتصامي رابعة والنهضة وفضهما نتج عنه انتهاكات كثيرة لحقوق الإنسان وسجل التقرير 2600 ضحية خلال هذه الفترة، منهم 1250 من المنتمين للإخوان، و700 من الشرطة والجيش (بحسب من قتلوا في سيناء) و550 من المدنيين.

Facebook Comments