أصدر رئيس المجلس العسكري الانتقالي بالسودان عبد الفتاح البرهان، مساء الثلاثاء، مرسوما جمهوريا بحل المجلس العسكري، تمهيدًا لأداء المجلس السيادي برئاسة "البرهان" القسم غدا الأربعاء، أمام رئيس مجلس القضاء، كبداية لتأسيس ما يسمى بـ"مؤسسات الدولة المدنية"، وسيتم تعيين رئيس للوزراء الأربعاء وسيؤدي القسم مساء.

ويحاول الإعلام الموالي للعسكر في السودان إشاعة جو من الثقة من الشعب السوداني في الحكومة المدنية في ظل وجود شراكة وتناغم بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، التي رفض جل أفرادها إعلان أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع بدعاوى مختلفة، منها الخلاف في الفهم والمقاصد وعدم توافق الوقت.

وسلمت قوى الحرية والتغيير في السودان قائمة بمرشحيها الخمسة لعضوية المجلس السيادي إلى المجلس العسكري.

وكان المتحدث باسم المجلس العسكري قد أعلن، في وقت سابق، عن أنه تم التوافق على اختيار القبطية رجاء عبد المسيح، مستشارة بوزارة العدل لشغل المقعد الحادي عشر بالمجلس السيادي.

ترحيب يساري

ونشرت صحيفة الأهالي اليسارية في مصر، المنحازة للانقلاب، عدة تقارير صحفية تؤيد الاتفاق، لا سيما الوثيقة الدستورية، مع مزاعم بتهديدات الإخوان للحوار ومنطلقاته، ومن بين التقارير استضافت "السفير إبراهيم الشويمي" الذي عبر عن أعجابه بما يحدث في السودان من قبل المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، قائلاً: إن الاتفاق الحالي بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي، يعد نموذجا ممتازا من حيث التفاهم بين أبناء الوطن الواحد، حيث يتضمن الإعلان الدستوري نقاطا واضحة جدا. كما أن الرسالة التي وردت في خطاب محمد ناجي الأصم ممثل قوى الحرية والتغيير تنم عن وعي كامل جدا بالمشكلات المحيطة بالسودان وكيفية التغلب والقضاء عليها.

مصادر التشريع

وبعدما دافعت قوى الحرية والتغيير عن تجاهل دين الدولة ولغته من الوثيقة الدستورية، أمام انتقادات وجهها إسلاميون لعدم إشارة النص على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، كما لم تحدد اللغة الرسمية للدولة.

وتعتبر قوى التغيير أن "الشريعة الإسلامية ليست مجرد نصوص تكتب في الوثائق وإنما مقاصد، وأن الوثيقة عبارة عن اتفاق لفترة انتقالية من نظام قديم إلى نظام جديد يختاره السودانيون عبر إرادتهم الحرة".

ويقف الكاتب الصحفي السوداني الطيب مصطفى، رئيس منبر السلام الدولي، مفندا تعديات "الحرية والتغيير"، وقال إن الوثيقة الدستورية تعمدت إغفال النص على أن الإسلام هو الدين الرئيسي للدولة، كما تجاهلت لأول مرة في تاريخ السودان الحديث النص على أن الشريعة الإسلامية هي إحدى مصادر التشريع.

واعتبر أن هناك مفوضين للدفاع عن الدين وحمايته من الضياع ونشره بين الناس، وهم الرسل ثم الثقات من العلماء والدعاة إلى الله، وهم الذين يدحضون حجج وخزعبلات وأكاذيب أعدائه من الشيوعيين وهرطقات المدلسين.

وحذر من أن "الشيوعيين وبني علمان يصرون على فرض هرطقاتهم وتوجهاتهم المعادية للإسلام على شعب السودان المسلم، الذي لم يثر على الدين وشرعه، وإنما على ممارسات خاطئة وفساد كبير لحق بالسودان وانحط به إلى درك سحيق".

صعوبة العبور

وفي تحليله للوضع في السودان في أعقاب المستجدات، اعتبر د. وليد عبد الحي، أستاذ العلوم السياسية بالأردن، في مقال له بعنوان "السودان وصعوبة العبور"، أن مصر ودول الخليج تسعى لضمان بقاء السودان في التحالف ضد اليمن، وإضعاف تمثيل القوى الدينية السودانية أو اليسارية المعارضة للمشاركة السودانية، فالوثيقة تتضمن نصوصًا قابلة للتأويل وفيها قيود على حركات القوى الفاعلة.

وحذر من أن قوى الحرية والتغيير التي وقعت مع العسكر على الوثيقة الدستورية، تضم 4 قوى هي (تجمع المهنيين، الإجماع الوطني، نداء السودان، التجمع الاتحادي)، وهذه القوى نسبة التجانس السياسي داخلها ليس كبيرا، مما يعني أن بينها خلافات، ناهيك عن خلافاتها مع العسكر ستثور لاحقا عند الانتقال من المبادئ العامة للتطبيق.

ومن المخاطر التي رآها "المجلس السيادي الذي يضم 11 عضوا من مدنيين وعسكريين (أي أنها حكومة مختلطة عسكرية ومدنية وهو أمر ينطوي على مخاطر من الناحية الفعلية).

وحذر متفقا مع آخرين من أن "طول الفترة الانتقالية 39 شهرا (21 منها للعسكر و18 للمدنيين) يشير إلى مسألتين مهمتين، أن الثقة بين الطرفين مهزوزة بحكم التقاسم، كما أن العسكر سيبدءون فترتهم أولا، وهو أمر قد يمكّنهم من ترتيب الأمور بكيفية تضيق ميدان الحركة على المدنيين لاحقا.

وقال إن الوثيقة تنص على آليات إعداد دستور جديد، وهو أمر لم يتم تحديده، وهو ما سيفتح الباب على مصراعيه للخلافات حول القوى والأفراد المشاركة وصياغة النصوص الدستورية، وكيفية الترجيح بين الاقتراحات لها.

وأضاف أن الوثيقة تحدد بأن إصلاح الأجهزة العسكرية هو من صلاحية المؤسسات العسكرية، وهو ما يعني أن صلاحيات الفرع المدني في المجلس السيادي لا تمتد إلى التدخل في شئون المؤسسة العسكرية رغم أنها يجب أن تكون خاضعة له، بينما سيكون للعسكريين الحق في التدخل في كافة الشئون المدنية، وهو ما يعني أن الثقة ليست متبادلة.

محاكمات إفريقية

وانتقد "عبد الحي" الوثيقة التي نصت على استمرار التعامل مع الجرائم المختلفة التي ارتكبها النظام السابق خلال الثلاثين سنة الماضية من خلال لجنة إفريقية (وليس عربية)، وهذا يعني برأيه أن أطراف النظام السابق (أو من يمكن أن يصنف على هذه الشاكلة) سيعمل على عرقلة المسار بكامله، فماذا لو تبين مع التحقيق أن بعض أعضاء المجلس السيادي شاركوا في جرائم النظام السابق، فهل سيتم عزلهم؟ ومن سيعزلهم؟ ومن سيحل مكان المعزول؟ مع العلم أن معظم العسكريين في المجلس السيادي الجديد هم من عظام رقبة النظام السابق.

Facebook Comments