هنأت جماعة الإخوان المسلمين الأمة الإسلامية بوقفة عرفات وحلول عيد الاضحي المبارك، مؤكدة أن  هذا العيد رمزا للتضحية والفداء في وقت تكالبت فيه الأعداء بالداخل والخارج على الإسلام والمسلمين. 

وقالت الجماعة في رسالة تربوية بمناسبة هذه الأيام المباركة إن أعداء الإسلام عطّلوا الحدود وانتهكوا الأغراض ودنّسوا المقدسات، ولذلك فإسلامنا ما أحوجه لمضحين بأنفسهم وأموالهم وأسرهم من أجل الذود عن ديننا الحنيف، كما قدمت آلاف الأسر مثل هذه التضحيات لنصرة الحق وتمكين الدين. 

وأوضحت رسالة الجماعة أن الله عز وجل جعل الأعياد في الإسلام مصدرا للهناء والسرور بعد الأيام العشر من شهر ذي الحجة، بالتزامن مع ركن الحج لبيت الله الحرام.

نص الرسالة

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعفوه تُغفر الذنوب والسيئات، وبكرمه تقبل العطايا والقربات، وبلطفه تستر العيوب والزلات، الحمد لله الذي أمات وأحيا، ومنع وأعطى، وأرشد وهدى، وأضحك وأبكى، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (الإسراء: 111).

الحمد لله الذي جعل الأعياد في الإسلام مصدرًا للهناء والسرور، الحمد لله الذي تفضّل في هذه الأيام العشر على كل عبد شكور، سبحانه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب.

الحمد لله سرًّا وجهرًا، وله الحمد دومًا وكرًّا، ولك الحمد عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

وَاللهِ لَوْلاَ اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَـــــا    
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا

أعيادنا تبدأ بالتكبير، وتعلن للفرحة النفير؛ ليعيشها الرجل والمرأة، ويحياها الكبير والصغير، أعيادنا تهليل وتكبير. الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاَّ الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

الله أكبر جاءنا العيد
الله أكبر تتجدد بها الذكريات وتحيا بها الأجيال فتتعمق إيمانًا، وتتألق يقينًا، وتزداد صفاءً ولمعانًا، الله أكبر عشرة أيام، ضخّت في إيماننا الدماء، وأنبتت في قلوبنا الحياء، وتجددت الروح وزاد الإيمان ونحن نسمع يا نفوس الصالحين افرحي ويا قلوب المتقين امرحي، يا عشاق الجنة تأهَّبوا، ويا عباد الرحمن ارغبوا، ارغبوا في طاعة الله، وفي حب الله، وفي جنة الله.

فطُوبى للذين صاموا وقاموا، وضحوا وأعطوا، وطوبى للذين كانوا مستغفرين بالأسحار، منفقين بالليل والنهار، ما أعظَمَ ديننا! وما أجمل اسلامنا! يدعونا ربنا ليجمع أمرنا ويوحد صفنا ويشحذ هممنا ويهبنا رحمات ونفحات، ومنَّ علينا في يوم عرفات الله، يوم المناجاة، يوم المباهاة، يوم الذكر والدعاء، يوم الشكر والثناء، يوم النقاء والصفاء، يوم إذلال الشيطان واندحاره، وغيظه وانكساره، ويوم وحدة المسلمين ونظرات رحمة الله وعفوه وقبوله، اللهم أقمنا في رضاك وأسعدنا بتقواك واجعلنا ممن رغب فيك فنفعته ودعاك فأجبته وتوكل عليك فكفيته.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر من أحزاننا، ومن عزلتنا، ومن ضيقنا، ومن ضعفنا، ومن واقعنا، ومن قعودنا، ومن كيدهم، ومن جيوشهم، ومن سجونهم، ومن بأسهم، لا إله إلا الله، لا قوة إلا به، لا نصر إلا من عنده، لا تغيير إلا بإذنه، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد على تجديد الفرح، على وعد لا يُخلَف، على زاد لا يُمنع، على عيد لا يتخلف أبدًا.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر قد جاءنا العيد
الله أكبر الله أكبر إسلامنا يوحد الأمة ويعز الأمة ويغني الأمة ويهدي الأمة ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 101)، الله أكبر هذا يوم التضحية والفداء، يوم الفرح والصفاء، يوم المكافأة من رب السماء، نُمتحن لنُمنح، ونختبر لنعلو، ونبتلى لنسمو، ونستسلم ونخلص، فتتدخل السماء يوم التقدير والاصطفاء.

ليت الأمة تتعلم الفداء، فالإسلام تكاثر عليه الأعداء، تكالبت عليه الأكلة من الأُمم، تعطلت الحدود، وازداد الصدود، وسُلبت المقدسات، وانتهكت الأعراض، سفكت الدماء، واضطهِد الدعاة والعلماء، أصبح الإسلام ودعاته غرباء، وأمسى الدين وأهله طرداء فمن له؟ من يفديه؟! مَن يضحي من أجله؟!

نحن أحفاد أسرة ثابتة مضحية تقدم للإسلام، وتعيش بالإيمان واليقين، أب يخبر عنه ربه ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصافات: 111)، مهاجر إلى ربه ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت: 26)، من المحسنين والمخلصين العاملين لله يرجو مشروع إصلاح الأرض، والتعامون مع المصلحين لإقامة وبناء الدين، وهذه زوجته هاجر تفدي الإسلام وتقول "إذًا لن يُضيِّعنا"، وكذلك جمال سعيها بالدين وابنها إسماعيل يقدم روحه ونفسه وحياته طاعة لربه وتنفيذًا لأمره وطلبًا لرضاه ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102).

إسلامنا أحوج ما يكون الآن إلى مضحين وفادين، من أوقاتهم ومن أموالهم ومن أبنائهم، ومن كل ما أعطاه الله لهم، حتى يسمو الفرد وتعلو الأمة، حتى ينتصر الدين، وتعلو راية الحق المبين، فيضاعف الله أجرهم، ويسهل طريقهم، ويرفع شأنهم، ويُعلي ذكرهم فتذكرهم الأجيال جيلا بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الله أكبر عيدنا فرحة لمن تابوا وأقلعوا وندموا ولم يصروا، ولمن جعل يديه ممرًّا لعطاء الله، فراح ينفق بالليل والنهار سرًّا وعلانيةً، ولمن يهتم بأمر المسلمين، فيصلِح بين المتخاصِمين، ويضع عن كاهل المستضعفين، ويدعو للمحاصَرين، ولمن كان وقّافًا عند حدود الله لا يتعداها، ولا ينساها، إنما يعظمها يحفظها ويرعاها.

لمن هو ليّن في طاعة الله، مطواعًا لأمر الله، محبًّا لرسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عاملا بمنهج الله، يقرأ القرأن ويسمع إليه وينصت ويتدبر ويتفكر، وإذا نودي بالإيمان آمن ولبّى ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ (آل عمران: 193). لمن أحسن إلى والديه، بارًّا ورحيمًا بهما، ويصلي بخشوعٍ وخضوع، ويعمل لدين الله بفهم صحيح .فتراه قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مُجاهدا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا في شئونه، نافعًا لغيره.

هؤلاء أنتم أيها الإخوان تفرحوا بطاعة ربكم، وتؤدون صالح أعمالكم، وتقومون بواجبكم ولا تملّون ولا تتكلون، وأنتم على عهدكم ووعدكم وبيعتكم لا تنقطعون أو تفرطون أو تنتقصون، وبوقتكم وجهدكم ومالكم وأرواحكم في سبيل الله تبذلون ولا تبخلون، ونردد دائمًا وأبدًا ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58)، ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: 170)، فالله غايتكم والرسول قدوتكم والقرآن دستوركم والجهاد سبيلكم والموت في سبيل الله أسمى أمانيكم.

الأخوة والأخوات أعيادنا يوم تحرير الأرض والعرض، يوم تحرير البلاد والعباد، يوم أن تتحرر النفوس من الشهوات والملذات، ويوم أن تتحرر القلوب وتُرد الحقوق، ويوم تفك قيود الفساد والاستبداد، ويبذل كل ذي واجب واجبه ويأخذ كل ذي حق حقه، أعيادنا يوم يتحرَر المحاصَرون من الظلم والظالمين، يوم يتحرر الأقصى وترفع راية الله خفاقة، يوم عودة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة.

الأخوة والأخوات عيدنا شامل شمول دعوتنا، فالعيد هو ديني شكرًا لله على تمام العبادة، التي تختلج في سرائره رضا واطمئنانًا، وتتجلى في علانيته فرحًا وابتهاجًا، وتُسفر بين نفوس المؤمنين بالبشر والأُنس والطلاقة، وتمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة، وهو إنساني يوم تلتقي فيه قوة الغني وضعف الفقير على المحبة والرحمة والإحسان، وهو نفسي حد فاصل بين تقييد تخضع له النفوس وتسكن له الجوارح، وتطمئن به القلوب، وبين انطلاق تنفتح له أبواب المسرات والملذات، وهو قطعة من الزمن خُصصت لنسيان الهموم والأحزان، والتقاط الأنفاس، وتهدئة الأعصاب، لتستأنف بعد ذلك رحلة أخرى من مراحل الجهاد الروحي والبدني والحياة الخاشعة النقية المخبتة، وهو اجتماعي يفيض الكبار على الأطفال بالفرح والمرح، ويوم للأرحام تجتمع على البر والصلة والتسامح والتزاور، ويوم الأصدقاء يجددون فيه أواصر الحب، ودواعي القرب والإخاء، ويوم النفوس الكبيرة تتناسى أضغانها وتلتقي فيه الأرواح قبل الأشباح وتتصافح القلوب قبل الأيدي.

الأخوة والأخوات أحسنوا في هذه الأيام نحن مأمورون بالفرحة، كنا في طاعة وننتقل من طاعة لأخرى، فافرحوا ولكم الأجر، اجعلوا أيام العيد فرحا لا ترحًا، اتفاقًا لا اختلافًا، حبًّا وصفاء تسامحا وتصافحًا توادًّا وتحابًّا وتعاونًا على البر والتقوى، على والديكم ببرِّهم، وعلى أرحامكم بصلتهم، وعلى جيرانكم بالإحسان إليهم، وعلى أهليكم بالتوسعة عليهم، وارحموا أيتامكم، وتخلّقوا بأخلاق نبيكم، وأدّوا الحقوق لأهل الحقوق والفضل.

والله أكبر ولله الحمد
الإخوان المسلمون
التاسع من ذي الحجة 1441 هجريا الموافق 30 يوليو 2020 ميلاديا

Facebook Comments