استدعتْ طريقةُ موتِ الزميل "محمد منير" النظرَ فى  حال الصحافة فى "المحروسة"، وشهدائها ومسجونيها وضحاياها على أيدى الانقلابيين؛ فالرجلُ المسنُّ المريضُ تم اقتحام بيته فى عدم وجوده، ثم اعتقاله فى اليوم التالى، ثم التحقيق معه فى نيابة أمن الدولة واتهامه بعدد من التهم المحفوظة، ثم الإفراج عنه دون ضمانات بعد عدة أيام، على غير المتوقع؛ ليفأجأ الجميع بإصابته بـ"الكورونا"، التى لا يُعلم للآن من أين جاءته، حتى تُوفى -رحمه الله وأجزل مثوبته- يوم الاثنين الماضى.

فى اعتقادى أن "محمد منير" مات قهرًا وكمدًا، مثل آلاف المصريين،  ليلة اقتحام بيته، ومن شاهد "فيديوهاته" التى نشرها عقب هذا الاقتحام يتأكد أن الرجل قد قضى من ليلته تلك؛ إذ ضعف صوته وتسارعت دقات قلبه، وبدا كأسد جريح تحاصره مجموعة من الضباع الجراب، غير أنه كان مصرًّا على الحرب والمقاومة.

إن من تسبب فى قتل "منير" هو من قتلت وأصابت آلته عشرات الصحفيين، ومن حبس وغيَّب المئات منهم، ومن أطلق رصاصة الرحمة على تلك المهنة العظيمة الرقيبة على كل السلطات؛ حتى أحرزت مصر المركز الثانى لانتهاك الصحافة على مستوى العالم طوال السنوات السبع الماضية على التوالى، والأولى عربيًّا بالطبع، وحتى تحول آلاف الصحفيين للعمل فى مهن أخرى ما كانوا يتصورون يومًا أن يمتهنوها.

فلم يكد يمر شهران اثنان على انقلاب (2013) حتى لقى 5 صحفيين ومصورين مصريين مصرعهم، هم: تامر عبد الرءوف مدير مكتب الأهرام بمحافظة البحيرة، الذى لقى حتفه بنيران قوات الجيش يوم الاثنين (19 أغسطس 2013م )، وأحمد عبد الجواد (الصحفى بجريدة الأخبار)، الذى قُتل برصاص القناصة خلال فض اعتصام ميدان "رابعة" يوم الأربعاء (14 أغسطس 2013م)، وأحمد عاصم (المصور بجريدة الحرية والعدالة) لدى توثيقه قنص قوات الجيش للمعتصمين في مجزرة الحرس الجمهورى (8 يوليو 2013م)، وحبيبة أحمد عبد العزيز (مراسلة صحيفة جلف نيوز الإماراتية)، ومصعب الشامى (المصور الصحفى بشبكة رصد الإخبارية)، وكلاهما (حبيبة، ومصعب) لقى مصرعه أثناء فض اعتصام "رابعة" أيضًا.
وإذا كان "منير" قد استراح من هؤلاء المستبدين بالموت فإن هناك نحو (90) صحفيًّا تحتويهم الآن سجون الانقلابيين، بعضهم أكمل سبع سنوات [محسن راضى]، وبعضهم يعانى المرض العضال [بدر محمد بدر، معتقل منذ مارس 2017م ويعانى الحالة المتأخرة من الكبد والسكرى وغيرهما]، والجميع يعانون الإساءة والإهمال والتعذيب النفسى، فضلًا عن احتمالية الإصابة بـ"كورونا"، بل لا يزال بعضهم مختفيًا قسريًا لا يعرف ذووه عنه شيئًا. وفى آخر إحصاء لإحدى المنظمات الحقوقية أنه تم القبض على عشرة زملاء فى الشهرين الأخيرين لم يشفع تدخل هذه المنظمة لدى النظام للإفراج عنهم تلافيًا لإصابتهم بـ"كورونا"، وللظروف المرضية لعدد منهم.

أما عن أحوال القبض على هؤلاء الصحفيين؛ فإن عددًا منهم قد تعرض للضرب وتكسير أثاث البيت ومصادرة المقتنيات، والتعذيب داخل مقار الاحتجاز، فضلًا عن الحجز الاحتياطى لسنوات، غير المحاكمات الصورية، مدنية وعسكرية، التى وزعت أحكام الإعدام والمؤبد على بعضهم بتهم لم يرتكبوها.

وهذه الأمور لم تعد خافية حتى على المنظمات العالمية؛ ففى رسالة لـ"المعهد الدولى للصحافة"، فى مايو 2020، دعا فيها الحكومة المصرية إلى الإفراج عن هؤلاء الصحفيين من سجونها المعروفة "بازدحامها وسوء خدماتها الصحية"؛ مشيرًا إلى أن "معظم الصحفيين يُحتجزون دون أى تهمة، أو يواجهون اتهامات بنشر أخبار مزيفة، أو دعم جماعات محظورة، فيما اختفى العديد منهم فى حجز قوات الأمن ولم تكشف الحكومة عن مكانهم رغم مناشدات العائلات".

لقد سجل عام (2019م) 532 انتهاكًا ضد الصحفيين المصريين، من بين هذه الانتهاكات حجب نحو (500) موقع إلكترونى يعمل بها آلاف الصحفيين، وهذا يعنى الترحُّم على المهنة وقتل أبنائها بالموت البطىء؛ إذ لم يبق أمامهم، خصوصًا بعد إغلاق القنوات والصحف التى لا تتبع النظام، إلا الصحف القومية التى صارت حكرًا على أقلام قلة من الموالين للعسكر؛ فأين يعمل الصحفى الحر الذى لا ينتمى لهذه المؤسسات؟ وكيف يعبِّر عن رأيه وهو من أهل الرأى وقادته؟ بل كيف ينفق على بيته وأولاده؟

الحقيقة لمن لا يعرفها أن هؤلاء الأحرار يعيشون على الفتات الذى يسمى "بدل التكنولوجيا"، أو أنهم شقّوا -كما ذكرت- طريقهم إلى مهن أخرى، وكثيرون منهم قد طعنوا فى السن وتكالب عليهم المرض، فى حين تُنفق دولة الظلم والخديعة الملايين على أتباعها ممن يجيدون الكذب ويمتهنون النفاق.

Facebook Comments