يدور جدل الآن حول ما يُعرف بـ«مبادرة الإفراج عن المعتقلين»، وهناك فريقان، مع وضد، أما الجهة التى طرحت المبادرة أو ألقت الحجر ثم انصرفت فليست محددة بدقة، وإن كان البعض يخمِّن أنها «عمل مخابراتى» تدخل فيه الإعلام فصنع هذا الجدل، وقد أورد فى بعض برامجه أن (1350) شابًّا معتقلاً تضرروا من حبسهم فكتبوا إلى قيادة الإخوان للسعى لفكهم؛ بإتمام (صفقة) مع النظام والتراجع (خطوة إلى الوراء)، وقد اقترح بعض الإعلاميين فرض (فدية) قدرها (5000 دولار) على كل (رأس) يتم الإفراج عنها!

والأمر لا يستحق كل هذا الجدل والتنابز بين الفريقين؛ فمن شاء فليأخذ بالعزيمة وله الأجر والثواب، وهو أدرى بحاله. ومن لم يستطع فليترخص، وليس فى الرخصة إثم، غير أنه يُحرم الثواب، كالمتنفل ليس له أجر وليس عليه وزر.
وهذا مبدأ الإخوان المثبت فى أدبياتهم والذى أعلنوه منذ الخمسينيات. وهو ليس من اختراعهم، بل مبدأ شرعى أخذ به النبى وصحابته الكرام، فقد أجاز -صلى الله عليه وسلم- لآل ياسر وصهيب وبلال وخباب وغيرهم من الضعفاء الجهر بكلمة الكفر تفاديًا لما يجرى عليهم من تعذيب يفوق احتمالهم؛ فقد عُذبوا حتى قُتل ياسر وسمية، أما ابنهما عمار فقد جاء إلى النبى وهو يبكى، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح عينيه ويقول: فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعدْ، فنزلت الآية: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: 106]، أما الآخرون فقد أخذوا بالعزيمة، ولم يأتنا أن النبى -صلى الله عليه وسلم- عاب عليهم هذا الاختيار، بل سمعنا أن بلالاً كان كلما زادوه فى التعذيب زاد فى الجهر بكلمة: (أحدٌ أحدٌ).
وقد مرت الجماعة بمحن سابقة أصّلت خلالها هذا المبدأ؛ ففى الستينيات فتح النظام الباب أمام الإخوان المسجونين للتظلم، فأعلن الإمام الهضيبى رأى الجماعة قائلاً: «أنا شخصيًا لن أرفع قضية تظلم؛ لأنه بينى وبين الله عهد ألا أسأل مخلوقًا شيئًا، وهذا ليس عنادًا لكنه عهد بينى وبين الله.. لن أطلب حاجة من غير الله.. يفرج عنى يفرج عنى.. يبقينى فى السجن يبقينى.. إنما الباب مفتوح أمام الإخوان؛ فمن أراد أن يتظلم فليتظلم، ومن لم يرد فله ما يرى، بشرط ألا يتبرأ أحد من دعوة الإخوان المسلمين».

والذين يأخذون بالرخص فى ظل أجواء القهر والتعذيب التى رأيناها وسمعنا بها قد يكونون معذورين، خصوصًا إن لم يكونوا قادة يُخشى أن يترخص الناس بترخصهم، وأيضًا إن لم يكونوا على علم مسبق بمشقات الطريق؛ إذ من الناس من لم يكن يحتمل دخول قسم شرطة، ثم وجد نفسه (كعب داير) بين الأقسام والنيابات والسجون والترحيلات إلخ، وهناك (الظروف) التى تختلف من شخص لآخر وهى متعددة؛ تجعل الرخصة (طوق نجاة) ليس لهذا الشخص فقط، بل لمن حوله، حتى وإن كانت حريته فيما بعد منقوصة.

أما إذا أخذنا بقاعدة (المفضول والأفضل)؛ فإن الأخذ بالعزيمة فى مواجهة الظالمين أفضل، خصوصًا بالنسبة للدعاة والمتصدرين للإصلاح؛ لأن نكبة الأمة فيهم –لا سمح الله- تكون كبيرة؛ إذ الناس ينتظرون منهم الإحسان، كما قال أبو جعفر الأنبارى للإمام أحمد بن حنبل وهو مشرف على الفتنة: «يا هذا! أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، فاتق الله ولا تجب».

وفى حصار الشِعب دليلٌ على أن العزيمة أمضى وأنفع وإن جرّت المشقة؛ فإن المسلمين صمدوا ثلاث سنين ذاقوا خلالها الأمرّين فى ظل مقاطعة تامة من أهلهم وذويهم فلم يلينوا حتى لان لهم قلب المشرك؛ فخرجوا من الحصار لم تنحن لهم جهة ولم تنكسر لهم عين. وما فعله خبيب دليل ثان على أن المسلم صحيح العقيدة يستهين بالحياة عند تصديه للباطل، لقد طلبوا منه أن يذكر النبى -صلى الله عليه وسلم- بسوء نظير أن يفكوا أسره ويمنعوا قتله فأبى، وذهب إلى ربه شهيدًا تتحدث السير بفضله إلى ما شاء الله، وهو عين ما فعله رسول رسول الله (حبيب بن زيد بن عاصم) إلى مسيلمة الكذاب الذى قال له مسيلمة: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أنى رسول الله؟ قال حبيب: أنا أصم لا أسمع. ففعل ذلك مرارًا، فقتله مسيلمة صبرًا، أى قطعه عضوًا عضوًا وهو لا يستجيب.

إن خطورة الرخصة فى ظل نظام لا يرقب فى مؤمن إلٍّا ولا ذمة أنها قد تجر على صاحبها بلاء أكثر من البلاء الواقع عليه؛ فنحن أمام عصابة هدفها استئصال الدعاة إلى الله؛ من أجل ذلك اخترعوا «التدابير الاحتزازية»، و(إعادة اعتقال من سبق اعتقاله»؛ ليظل سيفهم مصلتًا على الأطهار حتى وإن خرجوا من السجون، ناهيك عن منع توظيفهم، وعدم سفرهم، وبهذا لن يكون المفرج عنه آمنًا على نفسه. ولا نبالغ إذا قلنا إن الأمور ربما تصل إلى استخدام (المفرج عنه) للعمل جاسوسًا ضد إخوانه؛ عربونًا لعدم اعتقاله. ونقبس هنا ما جاء على لسان الأستاذ حسن دوح -رحمه الله- فى كتابه (25 عامًا فى جماعة الإخوان)؛ حيث يعلن ندمه –وقد ترك الجماعة- على تأييده للظالمين لأجل الحصول على الإفراج، يقول: (لما فكرت فى التأييد كتبت رسالة أتبعتها بثانية وثالثة ورابعة، ولا أذكر الآن عدد الرسائل التى أرسلتها للتأييد، ولكن يبدو أن كل محاولاتى قد تبددت، وشعرت أنهم يطمعون أن أتدنى لدرجة أخرى، وهى أن أكتب تقارير فى حق زملائى.. ومن فضل الله علىَّ أولاً وآخرًا أننى لم أُبتل بهذا الأمر الذى تعرض له بعض إخواننا -سامحهم الله وعافاهم… لقد ظللت أكتب لعبد الناصر خطابات لمدة عام ونصف العام.. ولا مجيب).

ونحمد لقادة الإخوان أنهم ثابتون صامدون وقد مر على العشرات منهم ست سنوات وهم فى الحبس الانفرادى؛ وها هو مرشدهم، الرجل السبعينى والأستاذ الجامعى المرموق قد تعددت أحكام إعداماته ومؤبداته، وحضر حتى الآن نحو ألف جلسة محاكمة، وتعرض للتعذيب، وقُتل ابنه وهو فى السجن، وأحرقوا بيته، وصادروا أمواله، ولا زال -بفضل الله- نشيطًا معافًى.

وهم على درب إخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان؛ فالأخ كمال السنانيرى (قُتل داخل السجن يوم 5 نوفمبر 1981) ظل ثابتًا فى معتقله لا يثنيه برده ولا حره ولا قسوة سجانيه وجفاؤهم، عزيز النفس أبيًّا، استمر لعشر سنوات يلبس بدلة السجن -وهى لا تطاق- صيفًا وشتاء؛ لئلا يطلب من أعوان الباطل إذنًا بلبس مدنى يعطوه أو يمنعوه. وقد توسط أحد أقربائه لدى عبد الحكيم عامر للإفراج عنه شريطة كتابة طلب عفو فرفض وقال: (لو وافق حذائى على هذا الكلام المنافق لخلعته فورًا، أنا هنا مسجون ظلمًا ولن أستجدى ظالمى أبدًا). وها هو الإمام الهضيبى -وهو القاضى الأرستقراطى المنعَّم- يتعالى على المحنة، فينام قرير العين بعد صلاة العشاء حتى فى أوقات الحر استعدادًا للتهجد، وكان يأكل العدس بالحصا، والفول بالسوس، وكان صلبًا، يسخر من الطواغيت، أسدًا فى مواجهة جلاديه. لما أصيب بالذبحة وهو فى السجن رفض الانتقال إلى المستشفى للعلاج قائلاً: (أرفض أن أُنقل إلى المستشفى، إننى أريد أن أموت هنا بين الرجال). وقد سمع يومًا أخًا مسئولاً يبكى في الصلاة فنهاه قائلاً: (هذا موضع لا أحبذ فيه البكاء، ابك عندما تخلو بنفسك، لكن لا تبك على مسمع الظالمين فيظنوا فينا الضعف).

والأمثلة تطول لعل أطرفها ما جرى للشيخ أحمد شريت؛ إذ قال له أحد الحراس يومًا: «يا عم الشيخ! إن كنت فى بلد بتعبد العجل حش وارميلهِ، فقال الشيخ: ازاى أرميله، دنا أقطع راسه».

وهؤلاء وهؤلاء على نهج أسيادنا الأنبياء والمرسلين الذين قالوا: (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) [إبراهيم: 12]، فكان الجزاء: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء) [إبراهيم: 27].

فيسبوك