فجر السبت 5 يوليو 2020، أغارت طائرة واحدة على الأقل من نوع ميراج 2000-9 على قاعدة "الوطية" التي حررتها قوات الحكومة الشرعية الليبية في طرابلس، وذلك للمرة الأولى، وأفادت وسائل إعلام ليبية موالية للانقلابي خليفة حفتر أنه تم تدمير أنظمة دفاعات جوية، نصبتها تركيا بالقاعدة، تشمل منظومات دفاع جوي من طراز هوك ومنظومة كورال للتشويش.
المصادر الإعلامية الموالية للانقلابي حفتر في ليبيا ومصر والإمارات روجت للقصف بطريقة احتفالية واعتبرته إفشالا لمهمة وزير الدفاع التركي في ليبيا، وزعمت قتل 53 ضابطا وجنديا أغلبهم من الأتراك، وبينهم الجنرال التركي يشار غولر الذي زعمت أنه "كان مرشحا لمنصب الحاكم العسكري لطرابلس"، بحسب الصحفي والبرلماني المقرب من السلطة مصطفى بكري.
بالمقابل اعترفت حكومة الوفاق بالقصف على القاعدة ولم تنفِه، وحاولت التقليل من شأنه واعتباره محاولة من حفتر وداعميه لإظهار أنه لا يزال على قيد الحياة بعد الضربات والهزائم التي مني هو وهم بها مؤخرا، وقالت إن الضربات لم تسفر عن خسائر بشرية وليس لها أهمية عسكرية.

وجاءت أنباء القصف بعد 24 ساعة من زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكا إلى العاصمة طرابلس ومصراته، التقى خلالهما رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ووزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا، وتفقد السفينة الحربية «TCG Giresun»، التي تتبع مجموعة المهام البحرية التركية التي تضم أربع سفن، وتخدم في وسط البحر المتوسط قبالة السواحل الليبية، حسب بيان لوزارة الدفاع التركية.

من قصف القاعدة؟
قصف قاعدة الوطية أثار تساؤلات حول من قصف القاعدة، خصوصا أن طائرات حفتر القديمة يصعب عليها ذلك وبهذه الدقة، وهل فعلتها روسيا التي تنافس تركيا على النفوذ في ليبيا ونزلت بثقلها مؤخرا وأرسلت طائرات ميج قديمة من قواعدها في سوريا لليبيا وقيل إن مرتزقة فاجنر سيقودونها، أم فعلتها مصر التي استنفرت قواتها لغزو ليبيا حال تقدمت قوات الوفاق وحاولت السيطرة على مناطق النفط وسرت والجفرة؟ أم الإمارات التي قامت بضربات مشابهه سابقا؟

بداية مهم معرفة نوع الطائرات التي قامت بالقصف ومن يمتلكها، وهنا نشير لتأكيد المتحدث الحربي لقوات بركان الغضب "عبد المالك المدني"، أن من قام بهذا "طيران أجنبي نوع ميراج 2000-9"، وأن "المعلومات التي وصلتنا تقول بأن الطائرة تملكها دولة الإمارات، وخرجت من قاعدة البراني المصرية".
وتتميز طائرات ميراج-2000 المتعددة المهام بتفوقها في مهام السيطرة الجوية والقتال الجوي على الارتفاعات فوق المتوسطة والشاهقة، ويمكنها القيام بأعمال الدعم الإلكتروني، وكذلك العمل في بيئة عدائية مليئة بالتشويش الإلكتروني عالي الكثافة، وربما هذا سبب استخدامها في قصف القاعدة الليبية.
ويبدو أن ما قاله المتحدث الحربي الليبي صحيح لأن "المنتدى العربي للدفاع والتسليح" نشر في 6 مايو 2020 الماضي خرائط وصورا تبين وجود 6 طائرات mirage-2000/9 إماراتية في قاعدة سيدي البراني في مصر".
أيضا كتب الدكتور عبد الخالق عبد الله مستشار بن زايد تغريده (حذفها لاحقا) يقول فيها: "الإمارات لقنت تركيا الدرس اللي تستحق نيابة عن كل العرب الشرفاء"، ما يشير ضمنا لمسئولية الإمارات عن القصف، سواء بطائراتها أو بتمويلها لهذه الطائرات.

أيضا تمتلك مصر هذا النوع من الطائرات، والعام الماضي نشرت شركة مارتن بايكر Martin Baker المتخصصة في صناعة المقاعد القاذفة (وهي شركة بريطانية تنتج مقاعد قاذفة والمعدات المتعلقة بسلامة الطيران) خبرا على صفحتها عن تحطم مقاتلة ميراج 2000 تابعة لسلاح الجو المصري ونجاة الطيارين.
وقد احتفي نشطاء وصحفيون وبرلمانيون مصريون على مواقع التواصل بقصف القاعدة اللبيبة وأشاروا ضمنا لمسئولية مصر، خاصة أن عبارة "طيران مجهول" يقصد بها دائما في مصر الطيران المصري.

ويبقى احتمال قيام روسيا بقصف قاعدة الوطية، ففي 26 من مايو الماضي 2020، أصدرت قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) بيانا صحفيا أكدت فيه أن موسكو أرسلت طائرات من نوع MiG-29 وSu-24 إلى ليبيا، بغرض دعم الشركات العسكرية الخاصة الروسية (مرتزقة فاجنر) المشاركة في دعم قوات حفتر وأن الطائرات انطلقت من روسيا وهبطت في سوريا، حيث تم تغيير علامات التعريف بها، في طريقها إلى ليبيا.
ويبقى احتمال أن تكون فرنسا نفسها قد نفذت الهجمات في ظل صراعها المتصاعد مع تركيا في ليبيا والاتهامات المتبادلة التي وصلت حد مطالبة باريس حلف الناتو التصويت على بقاء تركيا عضوا فيه، لأنها تجهض خططها بشأن دعم حفتر وإضعاف حكومة طرابلس، خصوصا أو نوعية الطائرات المهاجمة فرنسية.

رد فعل الحكومة الليبية
قال الجيش الليبي الأحد 5 يوليو 2020، إن قصف قاعدة الوطية غرب العاصمة طرابلس نفذه "طيران أجنبي، لكنه لن يؤثر في مسار الأحداث والمعارك"، وأضاف مخاطباً من وصفها بالدول المعتدية "انتظروا ردنا فالخبر ما ترون لا ما تسمعون".
وفي بيان صدر عن المتحدث باسم الجيش، العقيد محمد قنونو جاء فيه أن "قاعدة الوطية الجوية تعرضت لقصف جوي غادر نفّذه طيران أجنبي داعم لمجرم الحرب (خليفة) حفتر"، ولم يحدد الدولة التي قامت بالقصف.
وأضاف أن: "الضربة كانت محاولة لرفع معنويات الميليشيات والمرتزقة الموالين لحفتر ومحاولة لخداع جمهورهم بأنه لا يزال لهم القدرة على الوقوف أمام تقدم قواتنا، بالأمس كان أحد قيادات الميليشيات (لم يسمه) يقول في موسكو إنهم قبلوا بوقف إطلاق النار واليوم يعودون للغدر الذي عهدناه منهم".

وعن تأثير ذلك القصف، قال قنونو: "لن تؤثر مناوراتهم في مسار الأحداث والمعارك، ولن تغير من استراتيجيتنا لبسط السيطرة على كامل التراب الليبي. كنا نقول بأننا من سيحدد مكان وزمان المعركة، ونؤكد اليوم بأننا من سيحدد متى وأين تبدأ المعركة الحاسمة ومتى وأين تنتهي؟، وللدول المعتدية نقول انتظروا ردنا فالخبر ما ترون لا ما تسمعون".
وكانت مصادر موالية لحكومة الوفاق قالت في وقت سابق إنه ‏تم تركيب منظومات هاوك التركية للدفاع الجوي في مطار معيتيقه في ‎طرابلس وقاعدة ‎الوطية وذلك لتأمين هذه المطارات من أي هجمات من قبل أي طيران معادٍ.

أيضا قال الناطق باسم المركز الإعلامي لعملية «بركان الغضب» لتابعة لقوات حكومة الوفاق، مصطفى المجعي، في تصريح إلى قناة «TRT عربي» التركية، تعليقا على الواقعة نفسها: «نعرف هوية الطيران الأجنبي الذي قصف قاعدة الوطية الجوية، والضربات هي انتهاك صارخ للسيادة الليبية، لكن لا قيمة عسكرية لها».
وقال وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوفاق، عقيد صلاح النمروش، إن قاعدة الوطية الجوية تعرضت لقصف نفّذه «طيران غادر أجنبي» داعم لقائد قوات القيادة العامة المشير خليفة حفتر، ولكنه اعتبر القصف يمثل "محاولة بائسة ويائسة لتحقيق نصر معنوي، ردا على الانتصارات المتتالية التي حققتها» قوات الوفاق، قائلا: «سيكون الرد الرادع في الوقت والمكان المناسب".

وأصدر "المجلس الأعلى للدولة" بيانا حول قصف قاعدة الوطية أدان استهداف القاعدة، ووصف القصف بـ "الأجنبي الغادر والداعم" لحفتر، واعتبره "محاولة يائسة لتحقيق نصر فارغ ردا على الانتصارات المتتالية التي حققها أبطال الجيش الليبي والقوة المساندة ضد عصابته على الأرض".
وأضاف البيان: "يؤكد المجلس أن الاعتداء على القاعدة يأتي في إطار عرقلة أي محاولة لبناء جيش ليبي وطني حقيقي من قبل مجرم الحرب حفتر والدول الداعمة له، ويشكك في جدية الدول التي تدعي سعيها للوصول إلى وقف إطلاق نار وحل سلمي في ليبيا وتقوم في ذات الوقت بدعم هذه الأعمال الإجرامية".

رد فعل تركيا
اعتبر "مصدر عسكري" لوكالة الأناضول التركية بقصف طيران "مجهول الهوية"، قاعدة الوطية الجوية والتي تسيطر عليها قوات الحكومة، في ساعة متأخرة من ليل السبت/الأحد. وأضاف المصدر أن القصف "لم يسفر عن خسائر بشرية، وإنما استهدف بعض التجهيزات الخاصة بالقاعدة والتي تم جلبها مؤخراً لتعزيز القاعدة من ضمنها منظومة للدفاع الجوي".
وأشار المصدر إلى أن القاعدة تتعرض لأول مرة للقصف، منذ أن أحكمت قوات الجيش الليبي السيطرة عليها في 18 مايو الماضي.

ثم نقلت مواقع تركية عن مصدر تركي إن القصف من الطيران المجهول، الذي تعرضت له قاعدة “الوطية” الليبية، لم يؤد إلى تدمير إلى تدمير المنظومات الجوية التركية المتواجدة هناك. ونقل موقع “وكالة أنباء تركيا” عن المصدر التركي، أن القصف تسبب في بعض الأضرار المادية في القاعدة، وأضاف المصدر أن ضررا بسيطا لحق بإحدى المنظومات الدفاعية فقط، مؤكدا عدم وقوع خسائر بشرية.

وعن سبب عدم استخدام الدفاعات التركية في التصدي للهجوم، نوه المصدر إلى أن المنظومات الدفاعية التي تعرضت للاستهداف، لم تكن قد جُهزت بعد، ولم تفعّل حين القصف. ولم تؤكد المصادر التركية مقتل أو اصابة أي عسكري تركي على عكس ما جرى ترويجه في إعلام مصر والإمارات والسعودية.

لماذا القصف الآن؟
من الواضح أن قصف القاعدة في هذا التوقيت جاء لإجهاض أو إحباط أو إرسال رسالة لقوات حكومة الوفاق التي تستعد لتحرير سرت وقاعدة الجفرة، بأن الطريق طويل والمعركة ليست سهلة وأن قوات حفتر وحلفاءه قد يقصفون عمق دفاعات قوات بركان الغضب.
فهدف مناصري وداعمي حفتر من القوي الإقليمية والدولية هو إرسال رسائل مباشرة لحكومة الوفاق ألا تستمر في خططها لمهاجمة مناطق النفط والسيطرة عليها أو محاولة استعادة سرت والجفرة.

كما أن القصف جاء ضمن سلسلة تحركات عسكرية من حلفاء حفتر للسيطرة على مناطق تصدير وإنتاج النفط، حيث تم رصد قوات مرتزقة داخل حقوق الشرارة وغيرها، فضلا عن إرسال مصر والإمارات وروسيا طائرات وأسلحة جديدة لقوات حفتر حتى إن مواقع طيران رصدت ما يزيد من 100 شحن إماراتية وروسية هبطت في مطارات تسيطر عليها قوات حفتر.
أيضا هناك قلق مصري وإماراتي وروسي وفرنسي من التمدد التركي في شرق البحر المتوسط وليبيا وما يتردد عن سعي تركيا لاستغلال قاعدة الوطية كقاعدة عسكرية تركية وكذا ميناء مصراته كقاعدة بحرية، ما يزعج القاهرة خصوصا، ويقلق موسكو في ظل التنافس على الكعكة الليبية.

Facebook Comments