تابعتُ ما جرى فى الشقيقة "ليبيا" وخاصة قاعدة "الوُطية"، وشاهدتُ عشرات "الفيديوهات" المتعلقة بها، لكن استوقفتنى جملة لأحد الأحرار الذين دخلوا القاعدة صرفتنى عن الكتابة حول الحدث، قال الرجل: (سوف نبذل دماءنا رخيصة لئلا تكون هناك دولة عسكرية لهؤلاء العملاء، نريدها دولة مدنية)، وصدق الرجل..

فنحن العرب؛ إما "جمهوريات!" تحكمها جيوش، بشكل مباشر أو غير مباشر، أو عروش ليس لشعوبها من الأمر شىء، وكلاهما –الجيوش والعروش- فى مواجهة مع الشعوب، على حساب الأمن والاستقرار والنهضة؛ لذا لا تجد أممًا على وجه الأرض الآن أشقى ولا أفقر ولا أجهل ولا أبعد عن المدنية من بلادنا، رغم توسطها العالم، وأنها كانت مهد حضارات، ومهبط رسالات، وتملك من العقول والخيرات ما لا تملكه بلاد الدنيا.

والحرب التى فى بلادنا ليست حربًا أهلية كما يصورها إعلام الغرب، بل هى صراع على الهوية، ومعركة بين مواطنين وعملاء؛ بين شعوب تريد التحرر وبغاة من الموالين للصهاينة والغرب يريدون السطو على السلطة، وفرض الحراسة على الأوطان، وتجميد الحرية والتقدم والعلم، وقصر القرارات على مصالح الأسياد، ومنها كبت الإسلام، وملاحقة المسلمين، وإفساد الأخلاق، ونفى المصلحين.

لقد رحل الاحتلال وبقيت هذه العصابات الوكيلة عنه فى بلادنا، وهى فى الشر والمكر أخطر حتى لم نعد نعرف لها ملة ولا أصلًا، وقد كان "الربيع العربى" بداية مواجهتهم وفضحهم، فجعلوها حربًا لا تبقى ولا تذر، وانظروا ما فعل الهالك فى سوريا، وما فعلوا فى ليبيا ومصر واليمن، وما تفعله الإمارات والسعودية وغيرهما من عروش الفراعنة فى الدعم والإمداد والتمويل.

لقد وُلدنا وعشنا ما عشنا ونحن فى فقر وعوز واستبداد، وما زلنا نسمع من هذه العصابات نفس الكلمات والتبريرات عن "عجلة التقدم"، و"الخطط الخمسية، والعشرية"، و"مسارات النهضة" إلخ، ولا يزال أحدهم باقيًا فى الحكم لعقود حتى يُقتل أو يصيبه "ألزهايمر"، ويسرق ويقترض، ويفشل ويكذب، ويبيع دينه ووطنه، فإذا ما نصحته قتلك وسجن ذويك، ثم ادعى أنك إرهابى أو عميل، فأضاعوا بذلك كرامتنا كما أضاعوا مقدراتنا، وفى حين لا يزال فى شعوبنا من يمشون حفاة عراة تمتلئ خزائن البنوك السويسرية بمدخراتهم المنهوبة.

لقد آلمنى تلك المشاهد فى "الشقيقة ليبيا"، عقارات المدن وشوارعها وبُناها التحتية لا تليق ببلد قليل السكان ينتج كميات هائلة من النفط لعقود، وصحراء جرداء لا استثمار فيها ولا طرق ولا عمران.. أين ذهبت كلُّ هذه الأموال؟ لقد أضاعها سفيه من هؤلاء العملاء، بددها على مجده الشخصى، وعلى نزواته ورغباته، وعلى العصابة التى تحيط به وتبرر أفعاله وتثنى على خبله وخيانته وجنونه، وهلك وقد ورّث هذا الإجرام لمن يقتلون الشعب الأعزل ويقصفون أحياءه ومشافيه بالمدفعية والصواريخ، من جعل "ليبيا الأحرار" مرتعًا لمخابرات الشرق والغرب، محل اختبار للأسلحة الفاتكة، مزادًا تُباع فيه الرجولة والشرف.

إن أبرز أسباب انتصارات "الوفاق" الأخيرة هو المساندة التركية، وهى مساندة تقنية وتسليحية، وتركيا هذه تحررت من قبضة العسكر منذ نحو أربعة عقود؛ فانظر ماذا صارت بعد هذا التحرر وقد أنتجت غذاءها وسلاحها. لقد سمعت "المسمارى" -المتحدث باسم المليشيات المتمردة- يقول إن صواريخ من بارجة تركية فى عرض البحر هى التى دمرت نظامًا من أنظمة الدفاع الجوى الروسية "بانتسير" قبل دخوله قاعدة "الوُطية" كما أصابت طائرات تركية مسيَّرة أهدافًا بعينها داخل القاعدة، ولم يسأل "المسمارى" نفسه عن سبب هذا التقدم الهائل، ولن يسأل نفسه، بل سيظل كالدابة المعصوبة يتلقى الأوامر من أسياده وينفذها غير ناظر إلى مصلحة وطن أو رأى دين، مكتفيًا بعدِّ النجوم والنسور التى فوق كتفه، والدولار الذى أُودع له فى "بنك دبى" وغيره.

Facebook Comments