رغم تغيب دولتين من الخمس التي دُعيت لقمة كوالالمبور الإسلامية التي انتهت ظهر السبت، إلا أن انعقاد القمة بمن حضر من وفود رسمية مثلت 18 دولة ووفود شعبية مثلت أكثر من خمسين دولة إسلامية؛ يُعد خطوة رمزية مهمة تعيد الأمل لنفوس ملايين المسلمين الذين باتوا يشعرون بأنهم أيتام على موائد اللئام، لا نصير لهم في هذا العالم الذي تداعى عليهم كما تتداعى الأكلة على قصعتها.

هذه النفرة أو الهبة التي أخذت شكل قمة إسلامية بدت استجابة عاجلة للمظالم التي يتعرض لها العالم الإسلامي، ولصرخات المسلمين في بورما والصين وفلسطين وكشمير وفي العديد من الدول الأخرى؛ التي يتعرضون فيها للظلم والقهر، سواء على يد أعدائهم أو حتى على يد حكامهم المستبدين. وقد وضح ذلك في كلمات العديد من القادة في القمة، لكننا للأسف لم نجد صدى لتلك الاستجابة في القرارات والتوصيات النهائية للقمة، فربما قصد قادتها التركيز في أول اجتماع لهم على تثبيت أركان هذا التجمع الوليد والذي تعرض لهزة كبيرة كادت أن تطيح به تماما.

هذه القمة الإسلامية التي قررت تعديل اسمها إلى منتدى برنادا (حيث مقر الانعقاد الأول) هي تطور لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة الذي انطلق قبل خمس سنوات، وقد كان ذاك المنتدى غير رسمي، يحضره الساسة والمثقفون والمفكرون والبرلمانيون المهمومون بهموم أمتهم وشعوبهم. وكان من المشاركين بعض المسؤولين الرسميين لكن مشاركاتهم لم تكن بصفة رسمية، وكان الكثيرون رسميون سابقون، لكن الهم الواحد جمعهم ليتدارسوا أحوال أمتهم، ويبحثوا عن حلول لها. وقد توافقوا جميعا على اختيار الدكتور مهاتير محمد رئيسا للمنتدى خلال تلك السنوات الخمس، أي قبل أن يعود للحكم في بلاده، ولذلك فإن الرجل لم ينس الفضل لأصحابه، وحين جاءت فكرة عقد قمة إسلامية رسمية حرص مهاتير على وجود هذا الظهير الشعبي المتمثل في مؤسسي وأعضاء منتدى كوالالمبور، حيث شارك حوالي 450 من أعضاء المنتدى وغير أعضائه في هذه القمة ليعطوها عمقا شعبيا إلى جانب الإطار الرسمي.

بهذا الحضور الرسمي لعدد من قادة الدول الإسلامية والشعبي للمئات من الرموز السياسية والبرلمانية والفكرية تتحول قمة كوالالمبور والتي ستصبح منتدى برنادا إلى منتدى سنوي شبيه بمنتدى دافوس الاقتصادي الذي يعقد سنويا في مدينة دافوس السويسرية، ويجمع كبار قادة العالم السياسيين والإقتصاديين والعلميين والفنيين والفكريين.. الخ، ومن الأفضل لمنتدى برنادا أن يخطط لدوراته المقبلة ليكون على هذه الوتيرة، فيجمع قادة المسلمين الرسميين والشعبيين وكبار العلماء والمفكرين والمثقفين ورجال الأعمال جنبا إلى جنب تحت سقف واحد لمناقشة هموم الأمة الإسلامية وتقديم وصفات العلاج اللازمة، وترتيب الشراكات والصفقات والاتفاقات المشتركة على هامش هذا المنتدى كما حدث في منتدى برنادا، حيث تم توقيع 18 مذكرة تفاهم في مختلف المجالات، بما في ذلك التكنولوجيا المتقدمة، والتعاون الإعلامي، ومراكز التميز، وكذلك الأمن الغذائي، والقيادات الشابة، فضلا عن تبادل البرامج بين الدول المشاركة.

لقد سعت المملكة العربية السعودية لإفشال هذه القمة قبل أن تبدأ، ولم تكتف بالامتناع عن تلبية الدعوة التي وجهها لها مهاتير محمد، رئيس الوزراء الماليزي ورئيس القمة، ولكنها استخدمت كل ثقلها المالي لمنع دولتين كبيرتين من المشاركة، وهما باكستان وإندونيسيا، عبر تهديد الأولى بسحب منحة مالية قدرها خمسة مليارات دولار، وطرد حوالي أربعة ملايين من عمالتها في المملكة، وتهديد الثانية بسحب المليارات من الاستثمارات السعودية والإماراتية فيها. ورغم الأثر السلبي لهذه الضغوط التي منعت دولتين من الدعاة للقمة من حضورها، إلا أنها حوت جانبا إيجابيا تمثل في كشف قدرات الدول على التحمل. فقد استطاعت الدول الأربع التي شارك رؤساؤها، وهي ماليزيا وتركيا وقطر وإيران، مواجهة الضغوط الدولية، وإثبات استقلال قرارها الوطني، وبالتالي قدرتها على حماية مصالحها الذاتية، ومن ثم قدرتها على الدفاع عن الشعوب الإسلامية الأخرى التي تتعرض للمظالم.

بدت القمة في طبعتها الأولى قمة المحاصَرين، فقطر وإيران تتعرضان لحصار ظاهر، وتركيا تتعرض لحصار خفي، وماليزيا مهددة بالحصار حسبما أعلن رئيس وزرائها في كلمته الختامية في المؤتمر. وليست ماليزيا وحدها بل كل الدول التي تحترم نفسها وتحرص على سيادتها واستقلال قرارها الوطني، وبالتالي فإن هذه القمة هي إحدى الوسائل لمواجهة هذا الحصار عبر تعزيز التعاون البيني من ناحية وتعزيز القوة المشتركة التي تمكن هذه الدول من مواجهة أي حصار، والإمساك بأوراق ضغط ضد قوى الهيمنة الدولية تردعها عن مواصلة طغيانها بحق الشعوب الإسلامية.

حسنا أن كان التركيز في الدورة الأولى للقمة حول التعليم والتكنولوجيا، فهما مفتاح القوة في العصر الحالي، وبهما تمكنت قوى الهيمنة الغربية من فرض نفوذها، وفرض سياساتها على الكثير من الدول والشعوب وخاصة في المنطقة الإسلامية مستغلة حالة التخلف العلمي والتكنولوجي التي تعشعش في هذه المنطقة، رغم امتلاكها للكثير من الموارد الاقتصادية التي تمكنها من امتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا حال توفرت الإرادة لذلك.

تحاول السعودية تحديدا تبرير موقفها المناكف لعقد القمة بأنها تخريب لعمل منظمة التعاون الإسلامي التي ترأس الرياض دورتها الحالية. ورغم أن رئيس الوزراء الماليزي وكذا الرئيس التركي أكدا أن هذه القمة ليست بديلا للمنظمة الإسلامية، ولكنها مجرد قمة مصغرة مساعدة لها، إلا أن السعودية تخفي مخاوفها الحقيقية، وهي إزاحتها من تصدر المشهد الإسلامي الذي ظلت حريصة على تصدره بإمكانياتها المالية، ولكنها كانت توظف ذلك التصدر وخاصة في السنوات الأخيرة لخدمة أعداء الأمة وليس دفاعا عن المسلمين المضطهدين، وهو ما أفقد منظمة التعاون الإسلامي مصداقيتها وحيويتها، وجعلها مجرد حظيرة لجر الدول الإسلامية خلف المشروع الأمريكي والصهيوني، رغم أن هذه المنظمة قامت بالأساس كرد فعل على اقتحام الصهاينة للمسجد الأقصى وإحراقه عام 1969.

لقد أراد القادة المخلصون والذين يتمتعون باستقلال حقيقي أن يعيدوا لأمتهم الإسلامية التي تمثل ربع سكان العالم؛ هيبتها واحترامها بين الدول، وهم يدركون مكامن قوتها وأماكن ضعفها فيسعون لعلاجها، ويدركون أن الأطر التقليدية أثبتت فشلا ذريعا في مواجهة العدوان المتكرر على الشعوب الإسلامية، إذ إنها لم تفعل شيئا ذا قيمة في مواجهة المحارق البورمية في أراكان، ولا المذابح الصينية للمسلمين الإيغور، ولا الهندية في كشمير، ولا الحصار الظالم الذي تتعرض له دول وشعوب إسلامية بسبب تمسكها بحريتها واستقلالها.

التحدي الأهم أمام هذه القمة هو استمرارها بشكل سنوي، وإقناع الدول الإسلامية الأخرى التي تغيبت بضرورة المشاركة مستقبلا، والقدرة على اقتحام القضايا الأكثر أهمية لعموم المسلمين، وتوفير الحماية الممكنة للمضطهدين منهم، وفرض صوت العالم الإسلامي على المجتمع الدولي، وحبذا لو تمكنت من فرض ممثل للعالم الإسلامي ضمن الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.

لقد دعا رئيس الوزراء التركي الراحل نجم الدين أربكان لتجمع اقتصادي إسلامي في العام 1997 ضم ثماني دول إسلامية كبرى (مجموعة الثماني الإسلامية)، لكنه لم يدم طويلا، ومات بخروج صاحب الفكرة من السلطة، ولا نتمنى أن يلقى التجمع الجديد مصيرا مشابها لتجمع أربكان.
نقلاً عن “عربي21”

Facebook Comments