في طقس انتخابي عاصف، اعتلى الرجل منصة شاهقة في جامعة القاهرة، ثم امتشق ميكروفونا هادرا، وهتف “تحيا مصر” ثلاثًا، وسط حفل غنائي صاخب، موزعًا العطايا ذات اليمين وذات الشمال:

إعفاء الطلاب ساكني المدن الجامعية من رسوم الإقامة والتغذية لشهر رمضان، إعطاء كل طالب نسبة 5% درجات رأفة لطلاب البكالوريوس والليسانس، حتى لا يعيد الطالب العام الدراسي لرسوبه في مادة أو اثنتين، إعطاء إجازة أسبوع للعاملين والطلاب وأعضاء هيئة التدريس من 25 إلى 29 أبريل/ نيسان الجاري بمناسبة أعياد شم النسيم.

الرجل ليس شخصًا عاديًا، بل هو يقعد على كرسي رئاسة جامعة القاهرة التي تأسست كلياتها قبل قرنين، في عصر محمد علي، ثم اتخذت اسم الجامعة المصرية قبل مائة وأحد عشر عامًا، ثم صار اسمها جامعة القاهرة بعد ثورة يوليو 1952.

استباقًا لتعديلات دستور عبد الفتاح السيسي، تشارك عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، ونجم الأغنية الشبابية محمد حماقي، في عملية حشد طلاب الجامعة للذهاب إلى الاستفتاء، والتصويت بما يسمح بتثبيت الاستبداد الحاكم في تربته العميقة.

تماهى رئيس الجامعة تمامًا مع المطرب الشاب، إلى الحد الذي بات معه صعبًا أن تفرق بين “الخشت” و”الحماقي”، إذ يبدو أن الأول قرّر منافسة الثاني في إشعال الحناجر بالهتاف وإلهاب الأكف بالتصفيق، وعلى طريقة “ألا أونا..ألا دو..ألا تري”، برع رئيس الجامعة في تغليف العطايا، أو بالأحرى الرشاوى، بغطاءٍ لامع من الوطنية الرديئة، إذ قبل كل رشوة، يصرخ “مين بيحب مصر”، وبعدها يهتف بأداء ملحمي فاقع “تحيا مصر”، ولا يترجل عن خشبة المسرح قبل أن يطمئن إلى أن الحشد الرهيب تناول جرعة الوطنية المخدّرة، وراح في غيبوبة النشوة.

بالنظر إلى نوعية الجالسين في مقعد رئاسة جامعة القاهرة في زمن عبد الفتاح السيسي، لا يبدو الأمر مدهشًا كثيرًا، ذلك أن للموقع متطلباته واشتراطاته، وبالتالي لا يختلف أداء هذا “الخشت” عن أداء سابقه، جابر نصار، أستاذ الحقوق الذي انحدر بالحقوق وبالجامعة إلى مستوىً من الإسفاف لا يقل عمقًا.

يلفت الانتباه هنا أن المنافس للمطرب الشاب، في تهيئة طلاب الجامعة للتصويت على تثبيت استبداد السيسي وتعميقه، هو أستاذ للفلسفة، بل ويصنف، بحسب ويكيبيديا، من فلاسفة العصر، وستدهش أكثر، حين تجد في قائمة مؤلفاته الغزيرة كتابين، عنوانهما لافتان للغاية. الأول “صراع الروح والمادة في عصر العقل”، ويبدو أن الرجل اختار أن يطبق محتوى كتابه، استثمارًا لهوجة دسترة الطغيان، فقرّر أن يستخدم المادة في قتل الروح وسحق العقل معًا، ويقتاد طلابه من أمعائهم وغرائزهم، للذهاب إلى صناديق الاستفتاء. الثاني، وهو مثل الأول، صادر في زمن الزعيم الملهم طبيب الفلاسفة، صاحب الفهم السليماني “ففهمناها سليمان”، فقد جاء بعنوان “للوحي معانٍ أخرى”، والعنوان دال ومناسب تمامًا في طقس مشبع بفتوح الجنرال، وعلمه اللدني الذي لا يصل إليه بشر.

على أن للرجل “الخشت” من اسمه نصيبًا، ذلك أن ذاكرة الطفولة لا تزال تحتفظ بشكل آلة الخشت في قريتنا التي كانت تعتمد في حصولها على المياه من باطن الأرض، على طلمبات “حبشية” يبرع في دقها وتثبيتها صنايعي حاذق، يدعى العم عبد المحسن السيسي، ورّث الصنعة لابنه محمد السيسي الذي كنا نقف مشدوهين وهو يحفر عميقًا في التربة الطينية، معتمدًا على”الخشت”، وهو مقدمة ماسورة علي شكل حربة ملفوف عليها سلك مصفاة، لمنع تسرب الرمال من التربة، يتم دقها في عمق الأرض، لتندفع المياه من جوفها إلى الأعلى.

كان ذلك قبل عقود طويلة فاتت، إذ رحل السيسي الأب والابن، واندثر زمن الطلمبات الحبشية، وتصوّرنا أن عصر الخشت قد انتهى، حتى فوجئنا به يظهر في جامعة القاهرة، يحفر في باطن الوعي ليدق طلمبة استبداد.

فعلًا، السيسي والخشت متلازمان، فلا سيسي من دون خشت، ولا خشت من دون السيسي.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

فيسبوك