نشر موقع الشارع السياسي تقريرًا، سلّط الضوء خلاله على تطورات العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، خلال الفترة الماضية، عقب حرب أسعار النفط.

وقال التقرير إن الفترة الماضية شهدت توترا في العلاقة بين الطرفين عقب تهديدات أعضاء الكونجرس بفرض حظر على صادرات الأسلحة الأمريكية للسعودية؛ اعتراضًا على حرب اليمن، وتهديدات أعضاء الكونجرس أيضًا بملاحقة مسئولين سعوديين على خلفية مقتل الصحفي السعودي والعامل بصحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية، جمال خاشقجي، وأخيرًا التهديدات بفرض عقوبات اقتصادية وتعريفات جمركية مرتفعة على الواردات البترولية السعودية إثر الخلاف على أسعار البترول مؤخرًا.

فضلًا عن توجيه الرئيس ترامب إنذارًا لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يطالبه فيه بـ"قطع إمدادات النفط السعودي أو وقف الدعم العسكري الأمريكي"، وليتم بالفعل سحب أربع بطاريات من الصواريخ الأمريكية أرض- جو من طراز "باتريوت" من المملكة، كما أن طائرات "F-15" التي كانت تحميها هناك قد عادت بالفعل إلى الولايات المتحدة، وتوقع محللون أن تؤدي هذه الخلافات إلى انهيار العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة.

 

محددات العلاقة بين أمريكا والسعودية

ويرجع عدد من المؤرخين نشأة العلاقات التاريخية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، إلى اكتشاف أول حقل للبترول بالمملكة في الثلاثينيات من القرن العشرين، إلا أن التاريخ الحقيقي والفعلي لهذه العلاقة يرجع إلا نشأة العلاقة تحديدًا إلى 15 فبراير 1945، عندما اجتمع المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، على متن البارجة الأمريكية «كوينزي» التي رست في منطقة البحيرات المرة في مصر، ومنذ هذا اللقاء استمرت العلاقة بين الدولتين، والتي قامت بالأساس على مبدأ "النفط مقابل الأمن".

وتحدث التقرير عن محددات العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، موضحا أن أهم محددات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج- وعلى رأسها السعودية- تتمثل في ضمان تدفق البترول بأسعار معقولة وبلا عوائق إلى الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسين، وحماية أمن إسرائيل، وضمان عدم تحكم أي قوى معادية، أو منافسة للولايات المتحدة وحلفائها، من خارج المنطقة أو من داخلها في نفط الخليج، ومنع هذه القوى من تهديد أمن المنطقة، وأن هذه الدول تعتبر زبونًا دائمًا لمبيعات السلاح؛ حيث تعد السعودية أكبر مشتر للأسلحة الأمريكية.

أما بالنسبة للسعودية، تتمثل أهم محددات سياستها الخارجية تجاه الولايات المتحدة في توفير الحماية ضد المنافسين الإقليميين؛ حيث كانت السعودية دائما تحت حماية واشنطن، سواء في مواجهة صدام حسين وتحركاته العسكرية في 1990، أو في السنوات الأخيرة في مواجهة تهديدات إيران والاعتماد على الدعم الأمريكي في مواجهة التحديات الداخلية، والتي تتمثل في نوعين: الأول: الحصول على الدعم الأمريكي في مجال مكافحة الإرهاب، خاصة بعد ظهور تنظيمات إرهابية مثل تنظيم القاعدة، الذي استهدف السعودية من خلال هجوم كبير في 2003 والنوع الثاني من التهديدات هو اعتماد القيادة السعودية على الدعم الأمريكي في مواجهة أي محاولة داخلية للانقلاب عليها، وبعبارة أخرى، فإن ولي العهد السعودي الحالي محمد بن سلمان يعتمد على واشنطن داعمًا رئيسًا من أجل الوصول إلى الحكم، ومنع أي محاولة داخلية من الأسرة الحاكمة للانقلاب عليه، خاصة في ظل حالة السخط على سياساته الداخلية والخارجية.

 

سلاح النفط

وأوضح التقرير أن السعودية استخدمت سلاح النفط ضد الولايات المتحدة في حرب 1973، ما جعل الأمريكان يشعرون بالخطر الاستراتيجي من إمكانية قيام السعودية مرة أخرى باستخدام هذا السلاح ضدها، ما دفعها نحو محاولة توفير هذا المنتج الاستراتيجي تارة بتنويع مصادر الاستيراد وتخزين كميات ضخمة من النفط، وتارة أخرى عبر التوجه لإنتاج النفط الصخري، ومع الطفرة الكبيرة التي حققتها واشنطن في إنتاج النفط الصخري، أصبحت واشنطن مع سبتمبر 2018 أكبر منتج للنفط الخام في العالم، وقد حدث ذلك بعد عامين ونصف من قيام الكونغرس الأمريكي، في يناير 2016، برفع حظر دام أربعة عقود على صادرات النفط الأمريكية.

وأشار التقرير إلى أن أسعار النفط المتهاوية نتيجة حرب السعودية النفطية مع روسيا أضرت الولايات المتحدة كثيرا، حيث يحتاج منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة إلى أن تكون أسعار النفط أعلى من 40 دولارًا للبرميل لتحقيق سعر التعادل، ولكن حرب الأسعار الروسية السعودية تسببت في هبوط سعر النفط إلى 25 دولارًا، ثم إلى أرقام سلبية؛ مما تسبب في موجة من الإفلاس، وأضرار اقتصادية طالت الشركات من تكساس إلى داكوتا الشمالية.

غضب الولايات النفطية

ولفت التقرير إلى أن الخسائر التي تكبدتها أمريكا دفعت المشرعين في الولايات المنتجة للنفط- مثل تكساس ولويزيانا ونورث داكوتا وألاسكا- لتوجيه اتهامات للسعودية بشن حرب اقتصادية، وقد قاموا بصياغة مسودة قرار لسحب القوات الأمريكية، وإلغاء المظلة الأمنية التي كانت الولايات المتحدة منذ عقود تحمي بها الدولة السعودية.

وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان إلى وقت قريب يدافع عن العلاقات مع السعودية، فإنه يتساءل الآن بشكل علني عما إذا كانت الولايات المتحدة تحتاج لحماية النفط السعودي؟؛ إذ إن أغلبه الآن يباع للصين وباقي المشترين الآسيويين، عوضًا عن أوروبا والولايات المتحدة كما في السنوات السابقة .

ومن المتوقع أن يستجيب ترامب هذه المرة لمطالب المشرعين الأمريكيين بفرض عقوبات على السعودية مع انهيار قطاع الزيت الصخري الأمريكي الذي يوظف بشكل مباشر وغير مباشر ما يقرب من 1.7 مليون شخص، معظمهم في ولايات رئيسة يخوض فيها الجمهوريون معركة حاسمة؛ لأن ترامب بحاجة إلى الفوز فيها من جديد في انتخابات الرئاسة في نوفمبر.

 

سحب بطاريات باتريوت

ونوه التقرير إلى قيام الإدارة الأمريكية بسحب بطاريات أنظمة الدفاع الصاروخية "باتريوت" من السعودية؛ حيث ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" في (8 مايو 2020)، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين قولهم: إن "سربين من الطائرات المقاتلة الأمريكية غادرا المنطقة، إضافة إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس أيضًا خفض الوجود البحري الأمريكي في الخليج العربي قريبًا". وأردفت أن القرار يشمل سحب بطاريات "باتريوت"، وعشرات الجنود الأمريكيين الذي أُرسلوا إلى المملكة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو النفطية في سبتمبر 2019.

ورأى مراقبون أن تلك الخطوات إنذار أمريكي برفع الحماية عن السعودية عبر سحب بطاريات الباتريوت، في حالة ما إذا أقدمت السعودية على إيذاء الاقتصاد الأمريكي من خلال الإضرار بالنفط الصخري، وقد وجدت واشنطن أن الوقت مناسب لاتخاذ هذه الخطوة لاسيما في ظل انشغال إيران بفيروس كورونا، ما يعني عدم تهديد مصالحها حاليًّا بالخليج، بجانب تخمة النفط وعدم الخوف من تدفقه عبر مضيق هرمز، فضلًا عن رغبة ترامب في ترويج هذه الخطوة كنوع من الدعاية الانتخابية، عبر إظهار نفسه بمظهر الرئيس الملتزم بوعوده السابقة، والمتمثلة في تقليل الوجود العسكري الأمريكي في الخارج، وإرجاع الجنود الأمريكان إلى ديارهم.

إغراء الحوثيين لضرب السعودية

كما رأى محللون أن إقدام الولايات المتحدة على تلك الخطوة ربما يغري الحوثيين بمزيد من الأعمال العسكرية ضد أهداف سعودية، وهو ما يشعل الأجواء في المنطقة، الأمر الذي ينعكس على سوق النفط  -كعادة الأزمات والتصعيد-، فتعاود الأسعار ارتفاعها شيئًا فشيئًا، وهو ما حدث قبل ذلك في أثناء حرب الناقلات النفطية والتصعيد الدائر في مياه الخليج في الربع الأخير من العام الماضي .

وقد أجبرت هذه الإجراءات الرياض على تفعيل حملتها للتخفيض الإضافي لإنتاج النفط، فبعد اتفاق «أوبك +» في أبريل الماضي لخفض الإنتاج بواقع 9.7 ملايين برميل يوميًّا، والتي جاءت بضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلنت السعودية، في 13 مايو الجاري، عن "تخفيض طوعي" للإنتاج، بقيمة مليون برميل يوميًّا، ابتداءً من يونيو القادم، داعية شركاءها المنتجين لاتخاذ خطوة مماثلة؛ طمعًا في رفع الأسعار، وهو ما استجابت له سريعًا كل من الإمارات والكويت .

Facebook Comments