الثورة انطلقت بالفعل، وبدأت فى التمدد، وأثبتت فعالياتُها –رغم تواضعها- أنها فكرة مشتعلة فى نفوس الجماهير تتأهب للانتشار، وهى مختلفة عن ثورة يناير؛ إذ بدت عفوية واعية، تضم جميع شرائح المصريين، على اختلاف جنسهم وأفكارهم وأجيالهم ومحال إقامتهم، وليست تلبية لدعوة نخبة أو فئة أو فصيل.

ويتميز "الثوار الجدد" بالوعى –كما أسلفت-، تلحظ ذلك فى شعاراتهم التى جاءت موحدة فى شمال البلاد وجنوبها، واستهدفت رأس النظام ولم تستهدف غيره من المسئولين، وكنا فى السابق لا نسمع من هؤلاء الأهالى البسطاء سوى اتهام الحكومة أو السلطات المحلية، أما رأس النظام فكان فى منأى عن هذه الانتقادات.

 كما تميزوا بالجرأة والتحدى؛ فكون الحراك يبدأ من القرى فهذا أمرٌ له ما بعده، فإن من عاش فى القرية، خصوصًا بعد الانقلاب، يعلم أنه لا تخلو حارة الآن من مرشد، ولا تصدر حركة إلا والأمن يعلم بها، فإذا انتظمت مظاهرة فى قرية من غير حدث يُحدِثُها ومن غير منظِّم ينظمها فهذا معناه أننا وصلنا إلى مرحلة "انفجار ما بعد الغليان"، وهو ما رأينا آثاره فى حرق وتدمير عربات وآليات قوات الشرطة فى الدقائق الأولى من المواجهة.

وما حدث وسوف يحدث ليس مستغربًا، فى ظل أوضاع متردية وبنى منهارة، وفى ظل تبعية النظام وفساده واستبداده، وكذلك استفزازه وقد خلَّف العديد من التارات التى تستوجب القصاص؛ ما دفع هؤلاء المتظاهرين للخروج من دون ترتيب بعدما انتزع أرضهم وهدم بيوتهم وفرض عليهم الجباية وأهانهم حتى فر الرجال من البيوت خوفًا من القبض عليهم أثناء هدم منازلهم التى وضعوا فيها "شقى عمرهم" وقد تركوا نساءهم فى مواجهة "التتار" وآلياتهم. وكانت القشة التى قصمت ظهر البعير هى التهديد بنزول الجيش للإبادة –على حد تعبير رأس النظام-، وكانت القشة الأخرى هى هدم المساجد بأعداد كبيرة والوعد بهدم المزيد بزعم بنائها على أملاك الدولة، فى حين رأى المواطنون "فيديو" لقيادة كنسية تؤكد أن (80%) من كنائسهم بُنيت بدون ترخيص إما على أملاك الدولة أو على أرض زراعية ولم تُمسّ منها واحدة!

فى تصورى أن الثورة سوف تستكمل مراحلها، وسوف يرحل النظام، بل سيرحل العسكر جميعًا من الحياة السياسية بعد حكم فاسد دام لسبعة عقود انتقصوا خلالها أرضنا وكرامتنا، ومنعوا الناس حرياتهم، وفرَّطوا فى مقدرات أمننا القومى وخلَّفونا عن ركب الحضارة والتقدم.. وليس فى الأفق أمارة واحدة تمنع الثورة على النظام أو تؤجلها، فى حين لا يستطيع تلبية طلبات المحتجين، بل الكثير منها يستحيل تلبيته، كما –لغشمهم- لن يقبلوا بالتراجع. وفوق ذلك فإنه ليس من المتوقع أن يتوقف فشلهم؛ ما يزيد الثورة اشتعالًا؛ إذ كلما ازداد هذا الفشل وتوسّعوا فى الجباية والقبضة الأمنية زادت المواجهات وتمددت الاحتجاجات، وفى كل مواجهة ينكسر حاجز الخوف وتتضاءل هيبة النظام حتى يكون –لا سمح الله- الفوضى والانفلات.

سوف يلجأ النظام إلى القوة، لكنها لن تسعفه؛ لأنه لن يواجه أعدادًا فى ميدان واحد، بل ستتوزع قواته على مئات الميادين، ولن يفرِّق جمهرة بقنابل الغاز كالمعتاد، إنما يطارد "عفاريت" بقوات محدودة فى مساحات مفتوحة هى ملعبهم ومدرج نشأتهم. وفى هذه المرحلة سوف تزداد عليه الضغوط من كل ناحية؛ ولا أعتقد أنه سيجد منقذًا ينقذه؛ لأنه لم يبق له حليفٌ واحدٌ فى الداخل، ولو وقعت الواقعة فلن تنفعه أمريكا ولا  الصهاينة ولا العُربان.  

وإن كانت ثمة عوامل لنجاح الثورة؛ فنؤكد أولًا أن النظام أضعف بكثير مما نتخيل، وأن أدواته الذين يضربون بعصاه الغليظة هم أشبه بالمرتزقة، وهم أول من ينفضون عنه إذا اشتدت الأزمة حتى يخلعوا أرديتهم الرسمية. ونؤكد ثانيًا أن استعمال القوة مع الإخوان غير استعمالها مع الشعب؛ فإن كان لديه الاستطاعة والتصريح بقتل "الإخوانى" ولا حرج عليه فإنه يتردد ألف مرة قبل قتل "المواطن" غير المصنَّف سياسًّيا؛ من ثم فإن عدة مظاهرات فى عدة محافظات بنفس حجم مظاهرات الإخوان عقب الانقلاب كفيلة برجِّ النظام وتعطيل حكومته.

وما حدث قد يكون فرصة لعودة التيارات السياسية والجماعات المختلفة للعمل والحركة وقد انصرفت عنها أعين التلصص والمراقبة، وأيضًا قد يعجل بالرحيل: التحول عن فكرة "الميدان الواحد" وتوزيع فعالياته على نحو ثمانية آلاف قرية وتابع، وما يستلزمه من خطط الضغط والتشتيت،   وهذه الفعاليات -ولو كانت بسيطة وبالأطراف- فإنها تصنع حالة من الثورة المستمرّة، وتصرف الجماهير عن الإعلام المدلِّس الكذوب إلى إعلام المعارضة.

Facebook Comments