اللعب بمشاعر البسطاء عادة العسكر طوال السنوات الخمس التي مرت من حكم قادة عسكر الانقلاب، فلم يترك هذا السفاح أى باب الا طرق عليه من أجل رفع أسهمه المتدنية عند الشعب، عازفا بوتر “الإنسانية” على مشاعر الغلابة والفقراء فى مسرحية مكشوفة.

وفى هذا الشأن، كثفت سلطة الانقلاب حملتها الجديدة “حياة كريمة”، حيث انتشرت أخبار عن فرق إنقاذ تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي تجوب الشوارع بأتوبيسات على مدار الـ24 ساعة للبحث عن المفقودين والأطفال بلا مأوى والمشردين على الأرصفة؛ من أجل إيوائهم وتوفير حياة كريمة لهم.

وكان أول مشاهد المسرحية إنقاذ عجوز تدعى “صفية” من الشارع، كانت تقطن بجوار محطة مترو سعد زغلول بلا مأوى، وذلك بعد استغاثتها وانتشار قصتها وصورها على صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.

مشردة ضمن آلاف

وإذا كان قد تم إنقاذ عجوز من الشارع فإن سياسة الانقلاب العسكري أسفرت عن تشريد آلاف العجائز والنساء والرجال والأطفال في الطرقات وعلى الأرصفة دون مأوى أو مكان لحمايتهم من برد الشتاء وحرارة الصيف وظلم الناس وقسوة الظروف التي كان من أبرزها رفع الأسعار بشكل غير مسبوق، ومضاعفة الضرائب والرسوم على كل شيء وأي شيء، وتفسخ العلاقات الاجتماعية بين المصريين، ما أدى إلى اختيار، أو اضطرار، الكثيرين للبقاء في الشارع بديلا عن منازل لا يستطيعون دفع نفقات فتحها، وذلك بدلا من الانتحار أو الموت كمدا، واللذين انتشرا على مستوى واسع في السنوات الأخيرة.

اللافت أنه رغم آلاف الصور والفيديوهات التي تمتليء بها صفحات التواصل الاجتماعي لمشردين؛ يخرج اللواء ممدوح شعبان، مدير مؤسسة الأورمان، وأحد المقربين من السيسي، ليصرح بأنه “لا فقراء في مصر”!

وملف سكان الشوارع كبير لا يمكن عرضه في تقرير واحد، إلا أن عددا من اللقطات يمكن أن تضع تصورا للأزمة. ومنها صورة سيدة تنام بالعراء مع أطفالها في شارع المعز، وأخرى تبيت في شوارع طنطا بحثا عن مكان تنام فيه، بعد تعرض منزلها للهدم، وثالثة تدعى “حنان محمد” تقيم مع ابنيها فى أحد شوارع السيدة زينب منذ حوالي أربعة أشهر.

ونشر نشطاء “فيسبوك” صورة لـ”طفلة” 15 عاما، ومعها رضيع قالت إنه طفلها وتعيش في الشارع بعد طرد زوج أمها لها عقب زواجها بأشهر.

 

ورغم تصديق مصر على العديد من الاتفاقات الدولية، ومنها مبدأ أقره الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والصادر سنة 1948، والذي صدقت مصر على الالتزام ببنوده التي تلزمها بتوفير سكن ملائم للمواطنين، إلا أنه يوجد 3 ملايين مواطن مشردين بلا مأوى.

وينص مبدأ الحق في السكن الذي أقره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أن ” لكل شخص حق فى مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية.

3 ملايين مشرد

وبحسب تصريحات رسمية فإن هناك أكثر من 3 ملايين مشرد بلا مأوى فى شوارع مصر، بحسب إحصائية المركز المصرى للحق فى السكن. فيما يعيش 15.5 مليون فى العشوائيات وفقا لإحصائية المركز نفسه. في الوقت الذي تظل فيه 5.8 مليون وحدة سكنية خالية، وتعيش 18% من الأسر المصرية فى غرفة واحدة وتشارك بقية العائلات فى دورة مياه واحدة.

أين الحق في السكن؟

يؤكد حسام حداد، المحامى، وعضو الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان ان الحق فى السكن الملائم يأتى ضمن حزمة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التى يجب أن تقرها وتلتزم بها الدولة.

ويوضح حداد فى تصريح له، أنه يساء فهم الحق فى السكن بأنه أربعة حيطان فقط، ولكن التزام الدولة يجب ان يكون سكنا ملائما به مرافق وتدخله الشمس، يوفر الأمن والأمان لساكنه ويكون قريبا من مكان عمله مشيرا إلى أن التزامات الدولة فى السكن تتمثل فى العمل على إتاحة المسكن المقبول بثمن معقول لكل فرد، حماية المنازل والأحياء السكنية ورفع مستواها وعدم القيام بتدميرها أو إحداث الضرر بها.

في حين حمّل أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور محمد سيد أحمد، الحكومة (الانقلابية) مسئولية تفاقم الظواهر الاجتماعية السلبية، وفي مقدمتها ظاهرة سيدات الشوارع، بسبب تخليها عن دورها في حماية الأفراد.

الأرقام لا تكذب

تشير الإحصاءات المتعلقة بتلك الظاهرة ، إلى أنها بلغت حدًا مرعبًا، في ظل إهمال دولة العسكر لهذا الملف، وعجزها عن معالجته؛ حتى صارت تمثل تهديدًا للسِّلم الاجتماعي، ففي الوقت الذي تؤكد فيه الإحصاءات الرسمية أن 30 % من الأسر المصرية تعولها نساء، وأنَّ أكثر من 62 % من الأسر تعيش تحت خط الفقر، وهي نسبة هائلة إذا وضعنا في الاعتبار أنَّ المتوسط الأدنى للأسرة هو 5 أفراد.

كما تشير الإحصاءات إلى أنَّ القليل من سيدات الشوارع لديهن أسر يمكنهن اللجوء إليها، فيما يعد بقاء السواد الأعظم منهن في الشارع إجباريًا فى ضوء زيادة نسبة الفقر، وارتفاع معدلات المعدمين، لتتجاوز 10 % من المجتمع.

من جانبها أكدت هالة أبو علي، عضو لجنة التضامن بمجلس نواب العسكر، أن الحكومة مطالبة بتفعيل مظلة الضمان الاجتماعي، والوصول بخدماتها إلى المستحقين، والأولى بالرعاية، من السيدات المعيلات، وكذلك سيدات الشوارع، خاصة أنه من المفترض أن وزارة التضامن الاجتماعي تنفق 350 مليون جنيه سنويًا على ملف المرأة المعيلة، والتي تعاني أزمات اجتماعية.

وأضافت في تصريحات لها، هناك حلول بعيدة، ومتوسطة، وقصيرة المدى، لهذا الملف، في ظل ما يجب أن تعيه الدولة، من أنَّ الارتفاعات الأخيرة في الأسعار، خلفت مزيدًا من الفقراء. مطالبة بإعادة النظر على وجه السرعة في السياسات الاجتماعية والاقتصادية الحالية، مع تغليظ عقوبة إهمال الآباء للإنفاق على أبنائهم، خاصة إذا كان الأب ميسورًا وقادرًا على أداء هذا الواجب. وشددت على ضرورة توفير آلية واضحة ومحمية قانونيًا، لمعالجة مشكلة سكان الشوارع.

Facebook Comments