فى شهر أكتوبر 2018، تحدث رئيس الانقلاب كعادته خلال إحدى الندوات التثقيفية للقوات المسلحة عن مشروعاته التي يسميها بالمشرعات القومية، وتعهد في نبرة تحدي: «بإذن الله هتشوفوا فى 30 يونيو 2020 دولة ثانية.. دولة ثانية»!
بالطبع ليس هذا هو التعهد الأول؛ فالسيسي تعهد خلال حواره مع إبراهيم عيسى ولميس الحديدي في إبريل 2014م بأنه سينقل مصر خلال سنتين فقط إلى دولة ثانية مختلفة، وبعد مرور سنتين كانت قرارات التعويم الكارثية التي أفضت إلى تراجع قيمة الجنيه إلى أقل من النصف وتبخرت نصف تحويشة المصريين في دقائق معدودات. وشهدت البلاد موجات من الغلاء الفاحش الذي لم يسبق له مثيل. فارتفع الوقود وخدمات الكهرباء والمياه وتعريفة المواصلات وزادت رسوم جميع الخدمات دون استثناء إلى أرقام فلكية!

ثم تعهد السيسي مجددا وذهبت وعوده أدراج الرياح، وتبخرت في فضاء الأكاذيب الذي ما عاد يتردد في صداه إلا نعيق كل إعلامي يسبح بحمد النظام آناء الليل وأطراف النهار؛ أما أصحاب الضمائر الحية والانتماء الأصيل فقد سيقوا إلى السجون والزنازين ليدفعوا ثمن مواقفهم المبدئية وحبهم الجارف لمصر وشعبها.

ملامح مصر الثانية في دراسة حكومية
يمكن القول إن السيسي صدق وعده هذه المرة، فهو قد تعهد "هوريكم في 30 يونيو 2020 دولة تانية خالص.. دولة تانية"، ولم يحدد ملامح ولا صفات هذه الدولة، وبالتالي فعندما تنحدر مصر وتتراجع مكانتها وتشهد مزيدا من البؤس والخراب فهي بالفعل تتحول إلى دولة تانية خالص، هو نفسه أطلق على مصر منذ عدة سنوات وقد كان وضعها أفضل بكثير من اليوم أنها "شبه دولة"، فماذا عن مصر اليوم وقد تضاعفت ديونها، وباتت أكثر اعتمادا على الاستدانة وفرض المزيد من الرسوم والضرائب؟

ترد على السيسي دراسة حكومية أعدها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء مؤخرا، لتحدد لنا ملامح مصر الثانية، لتؤكد أن مصر تشهد مؤشرات اقتصادية واجتماعية خطيرة بالتزامن مع تفشي وباء كورونا. الدراسة التي جاءت بعنوان "أثر فيروس كورونا على الأسر المصرية"، وأوضحت أن 61.9 بالمائة من إجمالي المشتغلين تغيرت حياتهم العملية، ونصف الأفراد أي 55.7 بالمائة يشتغلون أيام عمل وساعات أقل، وحوالي ربع الأفراد 26.2 بالمائة لا يعملون، بمعنى أنهم تحولوا إلى عاطلين وانضموا إلى طابور البطالة الطويل، و18.1 بالمائة يعملون بشكل متقطع، وانخفض دخل 73.5 بالمائة منذ ظهور كورونا. بمعنى أن ثلاثة أرباع المصريين تراجعت دخولهم ورغم ذلك يفرض السيسي على المصريين في هذا الوقت العصيب رسوما وضرائب إضافية؛ يا لها من إنسانية تستحق النحر؟ الدراسة الحكومية تكشف أن نحو 90 بالمائة من المصريين خفضوا استهلاكهم من اللحوم والفاكهة، و36 بالمائة خفضوا كميات الطعام، ونحو 20 بالمائة قللوا عدد الوجبات، وحوالي 92 بالمائة لجأوا للطعام الرخيص، وذلك لانخفاض الدخل بسبب وباء كورونا.
وأكدت الدراسة أن 17 بالمائة من الأسر المصرية تعتمد على معونة الغير، ولجأ أكثر من نصفها إلى الاستدانة والاقتراض، واضطر 1.5 بالمائة من الأسر لبيع ممتلكاتهم. وأوضحت أن استهلاك اللحوم انخفض بنسبة 25.7 بالمائة، والطيور 22.8 بالمائة، والأسماك 17.5 بالمائة، والفاكهة 14.5 بالمائة، وبالمقابل ارتفع استهلاك الأرز 7 بالمائة، وزيت الطعام 8.3 بالمائة، والبقوليات 6.1 بالمائة.

أهذه قرارات نظام شرعي يحمي شعبه وبلاده؟ وهل هناك حكومة في العالم رفعت الضرائب والرسوم في هذا التوقيت سوى مصر؟ جميع دول العالم دون استنثاء قدمت مئات المليارات لدعم الطبقات الفقيرة والمهمشة باستثناء مصر راحت حكومتها تمص مزيدا من دماء الفقراء حتى تركتهم معدمين قتلت فيه الأمل كما قتلت فيهم الانتماء.

دلالة هذه الأرقام أنها تكشف عن قدر من الكوارث التي تعاني منها مصر، وهي أرقام صادرة عن جهة حكومية اعتادت تجميل النظام مؤخرا، إلا أن الحقائق طغت على أي محاولة للتعمية والتجميل". كما تكشف أن المواطن لديه قناعة بأن النظام لن يمد له يد العون، لذلك فإنه سعى للتأقلم ذاتيا مع الأزمة بتقليل الاستهلاك وإعادة ترتيب أولوياته والاعتماد على التكافل الاجتماعي. لكنها في ذات الوقت تكشف عن مؤشر خطير بأن المواطن بات أسير حالة دائمة من الحزن واليأس وعدم الشعور بالأمان وباتت نظرة الناس للمستقبل بالغة التشاؤم والإحباط.

Facebook Comments