حتى الآن لا يدرك كثيرون أن الأنظمة المستبدة هى بالأساس أنظمة دعائية، قد تقلب الحقائق، وتزيف التاريخ، وتروج لمشروعها السلطوى بالأكاذيب التى وإن لم يصدقها المثقف الواعى فسوف يقنع بها العامى الجاهل، الذى ربما تحمس لها إن خاطبت وجدانه ودغدغت مشاعره.

من أجل ذلك تلجأ هذه الأنظمة إلى "الفن"؛ إذ هو الأكثر إثارة لعواطف هذه الفئة، وهى للأسف تمثل قطاعًا كبيرًا فى مجتمعاتنا العربية التى جففوا فيها –عمدًا- منابع الوعى والمعرفة، وإن كانت وسائل التواصل الاجتماعى قد بدأت فى تفكيك هذه المنظومة الشمولية التى حُبست فيها  شعوبنا لعقود.

وفى الغالب يكون أمام المستبد ثلاثة أهداف كى يضمن بقاءه فى السلطة، بعيدًا عما يلحق وطنه من ضياع، وهو واقع لا ريب؛ فلا بد له من إيجاد "خصم" يبثه الكراهية، ولا بد من إعلان انتصارات وإنجازات بين الحين والآخر، ولو كانت وهمية، ولا بد من صناعة صنم يتبعه العوام، وهذا الصنم قد يكون شخصه أو المؤسسة التى يتبعها أو الطائفة التى ينتمى إليها، ولا بد لكل هذا من وجود "الفن" بأشكاله.

فى 26 من أكتوبر 1954م اخترع "عبد الناصر" حادث المنشية، لفق الحادث لجماعة الإخوان المسلمين؛ ليرتكب بعدها مذبحة كبرى ضد الحريات وحقوق الإنسان، لقد تم القبض على كل المنتمين للجماعة، تم إعدام ستة منهم، ومن بقى رهن الاعتقال رأى الموت بعينيه؛ إذ تفننوا فى "سلخ" المعتقلين حتى صار الموت أمنية بالنسبة لبعضهم، من هول ما يعانونه فى هذا الجحيم المسمى "السجن الحربى".

نجح "ناصر" إذًا فى "خلق عدو افتراضى" بديلًا عن العدو الحقيقى، ويلزمه الآن بث الكراهية ضده وتكدير السلم الاجتماعى، فأسعفه "الفن"؛ حيث لم يمر شهر حتى كانت "ثومة" تشدو بأغنية "يا جمال يا مثال الوطنية" تأليف بيرم التونسى وألحان رياض السنباطى، و"ثومة" هى ملكة الطرب وقتها، والمؤلف والملحن من ذوى المكانة فى فنهم، فلما قالت "الست": (يا جمال يا مثال الوطنية.. أجمل أعيادنا المصرية.. بنجاتك يوم المنشية.. رُدُوا عليا)، ردتْ عليها الجماهير المغيبة من إسكندرية إلى أسوان.

وفى وقت لاحق غنى له "حليم" (ناصر يا حرية)، كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، ثم غنى له (يا جمال يا حبيب الملايين)، وغنى له "عبد الوهاب" (ناصر كلنا بنحبك)، وغنى له صديقه "الأطرش" وغيره من المشاهير أغانى تمجِّد فى شخصه.

تُلاحظ أن "جمال" صار بالفن مثالًا للوطنية، وحبيبًا للكل، واقترن اسمه بالحرية –أما الحقيقة فكانت مناقضة تمامًا للحالة التى خلقها الفن، فـ"ناصر" يطعن كثيرون –وبالأدلة- فى وطنيته، وهل هناك وطنى يعمد إلى تخلف بلده وإرهاقه بالهزائم وقتل مواطنيه؟ والذى يأمر باعتقال (36) ألفًا فى ليلة واحدة، بينهم 450 امرأة لا يمكن أن تكون له صلة بمسمى الحرية، أما أنه حبيب الكل فتلك كذبة كبيرة؛ فإنه كان فى نظر ضحاياه والمنصفين، وهم بالملايين أيضًا، نمرودًا طائشًا، لكن لا صوت لهم، وحتى من يدّعون وصاله فإن منهم كثيرين كانوا ينافقونه خشية بطشه وغشمه.

وبالفن أيضًا صاغوا قوائم بالإنجازات الوهمية كانت تذاع فى طوابير الصباح بالمدارس، وقرأها "الهالك" فى خطبة تنحيه يستدر بها إشفاق الجماهير. أما أكبر دليل على أنهم نجحوا فى صناعة الصنم؛ فإنه رغم ما تسبب فيه من وقوع أكبر هزيمة تاريخية ضاعت فيها الأرض والدماء والكرامة والطيران، وكل شىء، فإنه كوفئ بالبقاء، وقد غنت "ثومة" يومها من كلمات صالح جودت وألحان السنباطى: (قم واسمعها من أعماقى.. ابق فأنت الأمل الباقى لغد الشعب"، ومع تمثيلية المظاهرات التى تمت يومى 9، 10 يونيو 1967م بقى "البطل!" و"الرمز!" و"الأسطورة!" ليحكم من جديد، ولو وُجد مخرج ماهر يترجم الحادثة فى عمل فنى لأظهر الجماهير وهى تعتذر له وهو يتمنع!

واليوم يُفعل بنا ما فُعل بآبائنا، ولا زال هناك مغيبون يطربهم "الفن" ولو كان به مخدر سياسى.. لكن لحسن حظنا فإنه توجد الآن مساحة أكبر من الوعى، وإتاحة أكثر لفضح التزييف، فصار للرسالة الإعلامية "فيد باك بدون تشويش" كما يقول أساتذة الإعلام؛ فقلَّت من ثمَّ مساحة التغرير وزمنه؛ إذ سرعان ما تأتى ردود الأفعال التى ربما كانت أقوى فى التأثير حتى على العوام من تلك الرسالة المشحونة بالعواطف الكاذبة والتى لا تستند فى أصلها إلى منطق أو دليل.

Facebook Comments