رصاص العسكر واستبدادهم يطول الجميع.. فمتى يجتمع أنصار ثورة يناير؟

- ‎فيتقارير

يخطئ من يظن أن مجازر العسكر تقتصر على الإخوان والإسلاميين وحدهم، فالتجربة التي تلت ثورة 25 يناير تكشف بوضوح عن أن رصاص العسكر يطول الجميع، في سبيل تكريس سلطويتهم وحماية نفوذهم وامتيازاتهم في الحكم والثروة.

فرصاص العسكر طال الجميع دون استثناء من جموع الشعب في ثورة يناير، وجمعة الغضب ومعركة الجمل، حيث كان ضباط تابعون للمخابرات الحربية يعتلون أسطح العمارات ويوجهون رصاصهم نحو المتظاهرين، ثم مجازرهم بعد ذلك التي طالت نشطاء القوى المدنية العلمانية  في محمد محمود، ومجلس الوزراء، ثم الأقباط في مذبحة ماسبيرو، ثم القوى السلفية المنتمية لحركة حازمون والشيخ حازم أبو إسماعيل في مذبحة العباسية، فالألتراس في مذبحتي استاد بورسعيد ضد ألتراس الأهلي، ومذبحة استاد الدفاع الجوي ضد ألتراس الزمالك، ثم عشرات المذابح ضد الإخوان والإسلاميين مثل رابعة والنهضة وميدان مصطفى محمود وغيرها؛ باعتبارهم الفصيل الأقوى والأكثر شعبية والأكثر تهديدا لحكم العسكر، وإنهاء احتكارهم للمشهد السياسي والاقتصادي والتحكم في كل مفاصل البلاد.

وحتى بعد نجاح الثورة المضادة في إجهاض المسار الديمقراطي واعتقال أول رئيس مدني منتخب وأركان حكومته، وتلفيق التهم لعشرات الآلاف من الأبرياء المحبين للوطن، فلم يسلم من أذى العسكر تلك القوى والأحزاب التي حرضته على الانقلاب على المسار الديمقراطي، فأطلق رصاصه على مظاهرة للقوى اليسارية رغم أنها كانت محدودة، واستشهدت الناشطة شيماء الصباغ، والتي ورد في تقرير الطب الشرعي أنها ماتت بسبب نحافة جسمها الذي لم يتحمل الرصاص المطاطي، ومع الضغوط على النظام حوكم الضابط المتهم بالسجن 15 سنة، لكن الآلاف من الذين استشهدوا في عشرات المجازر لم يتم التحقيق بعد في مقتلهم حتى اليوم.

كما لم تسلم القوى المدنية العلمانية من اعتداءات بلطجية العسكر “الطرف الثالث”، وفي رمضان الماضي هاجم بعض البلطجية إفطارا نظمته هذه القوى في النادي السويسري بالكيت كات، وتم إفشال الإفطار وتوجيه أبشع أنواع السب للحاضرين، رغم أن منهم وزراء في أول حكومة بعد الانقلاب العسكري التي قادها الدكتور حازم الببلاوي، القيادي بالحزب المصري الديمقراطي.

الفتنة بين قوى الثورة

ويحرص النظام العسكري من أجل تكريس حكمه الشمولي، على بث الفرقة والفتنة بين مكونات القوى السياسية التي شاركت في ثورة 25 يناير، سواء من القوى المدنية الإسلامية أو من القوى المدنية العلمانية، ويبالغ في التحريض على الإخوان، بل إنه يجعل من مجرد التواصل مع الجماعة أو مع بعض قيادتها تهمة تستوجب التشهير، وربما تفضي إلى المساءلة والمحاكمة.

ويجند النظام بين القوى المختلفة موالين له، سواء بين الإسلاميين أو العلمانيين، لا هدف لهم إلا تكريس هذا الشقاق، وفتح الملفات القديمة، وتوجيه الاتهامات المتبادلة، مستهدفًا بذلك  تكريس هذه الفرقة واستمرارها مشتعلة، وتوجيه الأنظار عن جرائمه المتواصلة بحق الشعب والوطن.

متى نلتقي؟

بلا شك فإن جميع القوى التي شاركت في ثورة 25 يناير، أخطأت في تقدير كثير من المواقف، وسمحت للعسكر بالتلاعب بها، إما بالتقريب والترغيب تارة، أو بالتهديد والوعيد تارة أخرى، وربما وصل البعض إلى حد الخطيئة والتماهي مع العسكر في التحريض على المذابح وسفك الدماء وإهدار جميع القيم الديمقراطية ومكاسب ثورة 25 يناير. لكن ذلك لا يجب أن يكون عائقا أمام معرفة الأولويات، ومعرفة من هو عدو الثورة الحقيقي، هو ذلك الذي يرتدي البدلة الكاكي ويعلق على كتفيه النسور والدبابير اللامعة من أجل حماية امتيازاته وضمان استمرار نفوذه الواسع وسطوته اللا محدودة.

وإزاء هذا الاستبداد والفشل المتواصل في الملف الاقتصادي، والتوسع الجنوني في الاقتراض، وفرض الظرائب الباهظة، وانسداد الأفق السياسي، وتأميم الفضاء الإعلامي فلا صوت سوى صوت النظام الصادر من الشئون المعنوية، لم يعد أمام القوى المؤمنة بالحرية والديمقراطية أي مفر من التلاقي والحوار من أجل وضع خريطة طريق تحدد القيم والمبادئ المشتركة التي تؤسس لنظام سليم يقوم على الديمقراطية دون إقصاء، وضمان مساواة الجميع أمام القانون.

يتفق مع هذه الرؤية ما دعا إليه الدكتور أحمد رامي، القيادي بحزب “الحرية والعدالة”، من ضرورة الحوار مع الجميع والتوافق جزئيا، وعدم الحديث عن الماضي مجددًا. وقال رامي، عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”: “ومن علامات التيه انصراف وقصر النظر إلى الماضي دون المستقبل، 23 يوليو ثورة ولا انقلاب؟ الإخوان باعونا في محمد محمود ولا الجميع باع الإخوان في رابعة؟ 30 يونيه غير 3 يوليو؟”. وأضاف “ألف سؤال وسؤال عن الماضي وغابت التصورات عن المستقبل، مهم أن ننظر للماضي لكن الكارثة أن نعيش فيه، مفيد أن نتحاور ونذكر ما مضى لكن لنتوافق جزئيًا ونحن نسير للغد”. وتابع: “التاريخ لن يمكننا تغييره والمستقبل لن يصنعه غيرنا، فلا يستغرقكم ما لا يمكن تغييره عما أوكل إليكم صنعه”.

فمتى نلتقى على الأولويات لمواجهة النظام العسكري الذي طال رصاصه واستبداده الجميع دون تمييز؟