لا يتجاهل أحد ما يدور على الساحة السياسية المصرية من هدم وتقويض قوى الوطن السياسية والاجتماعية من قبل النظام الانقلابي، في سبيل أن يظل الحاكم منفردًا بقوة الدبابة والسلاح.
ويسعى السيسي لتفخيخ العلاقة بين القوى المدنية والقوى الإسلامية، مستغلا الفجوة بين الإسلاميين ومواقف القوى المدنية، والتي اعتبرت الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي طريقا نحو الديمقراطية. وأيضا قالت بعض الأصوات من داخل القوى المدنية، عند اعتقال أبو الفتوح، إنه يعد امتدادًا للأحزاب التي تأسست على خلفية دينية، وظنت أن الأحزاب التي تنتمي لتيارات ليبرالية أو يسارية في معزل عن هذا الأمر.
ومع سلسلة الاعتقالات الأمنية التي طالت كل من له موقف، يتعاظم الزحف الانقلابي باتجاه تجريف الحياة السياسية، واعتقال من تبقى من المعارضين مهما كانت درجة اعتراضهم، حتى لم يعد أمام المعارض إلا دخول المعتقل أو دخول الحظيرة الانقلابية.
وتنوعت الاعتقالات لتشمل عنان وقنصوة من داخل المؤسسة العسكرية، وجنينة من خارجها، ثم أبو الفتوح من الأحزاب السياسية، ثم الاتجاه نحو أبو الغار والنجار، بتحريك دعاوى قضائية ضدهم.
فقد تقدم سمير صبري، المحامي، ببلاغ لنائب عام الانقلاب ونيابة أمن الدولة العليا ضد محمد أبو الغار ومصطفى النجار؛ بدعوى ارتكابهما جريمة تلقي تمويلات من جهات أجنبية.
وفي سياق التصفية السياسية لتيار مصر القوية والإسلاميين المستقلين، أصدرت محكمة جنايات جنوب القاهرة، اليوم الثلاثاء، برئاسة المستشار مصطفى محمود عبد الغفار، قرارا بإدراج رئيس حزب “مصر القوية”، عبد المنعم أبو الفتوح، و15 آخرين، بينهم أعضاء بالحزب، على “قوائم الإرهابيين”، وذلك بناء على المذكرة المقدمة بهذا الشأن من النائب العام المستشار نبيل صادق.
كانت نيابة أمن الدولة العليا، بإشراف المحامي العام الأول للنيابة، المستشار خالد ضياء، قد أعدت مذكرة بهذا الشأن تطالب فيها بـ”إدراج عبد المنعم أبو الفتوح وآخرين على قوائم الإرهابيين، في ضوء ما ادّعته التحقيقات وتحريات قطاع الأمن الوطني التي تسلمتها النيابة من أن أبو الفتوح ومن معه، قد انضموا إلى جماعة أسست على خلاف القانون، تستهدف الإضرار بمصالح الدولة المصرية ومقدراتها”.

يشار إلى أن نيابة أمن الدولة العليا كانت قد أصدرت قرارا بحبس رئيس حزب “مصر القوية” لمدة 15 يوما احتياطيا على ذمة التحقيقات، بعدما ادعت “قيامه بنشر وإذاعة أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالمصالح القومية للبلاد، وتولي قيادة جماعة أنشئت على خلاف أحكام القانون، الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين ومنع مؤسسات الدولة والسلطات العامة من ممارسة أعمالها والاعتداء على الحرية الشخصيةِ للمواطنين، والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وشرعية الخروج على الحاكم، وتغيير نظام الحكم بالقوة، والإخلال بالنظام العام، وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر”.
وكانت عناصر الأمن بوزارة الداخلية قد اعتقلت أبو الفتوح في ضوء أمر قضائي صادر من نيابة أمن الدولة العليا، بضبطه وإحضاره وعدد آخر من المعتقلين للتحقيق معهم بمعرفة النيابة.
تشوية خالد علي
ولعل أبرز محاولات تصفية التيار المدني وتشويهه، ما تشهده الساحة من هجوم كاسح وتشويه لخالد علي، الذي أحرج نظام السيسي لفترات طويلة، سواء في قضية تيران وصنافير أو قضايا الحدود البحرية في المتوسط، أو الترشح لمنافسة السيسي بمهزلة انتخابات 2018.
وهو ما دفع علي للاستقالة من عضوية حزب “العيش والحرية”، تحت التأسيس، على خلفية مزاعم تحرّشه بإحدى الفتيات، وما يُعرف بقصة “فتاة الإيميل”، رغم تبرئته منها. حيث نشرت صحافة السيسي عدة تقارير مؤخرا، لرواية تشير إلى تداول بريد إلكتروني، قبل نحو عام، منسوب لفتاة كانت تعمل مع علي بمركز حقوقي كان الأخير أحد مسئوليه، وتتهمه بالتحرش عام 2015، بينما تتهم شخصا آخر، بالمركز ذاته، باغتصابها عام 2014.
وأصدر علي بيانًا مطولا حول الواقعة، تضمّن عددا من تفاصيل الأزمة، قائلا: “التزمت الصمت منذ بداية معرفتى بموضوع الإيميل وحتى اليوم، ولم يكن هذا الصمت عجزا عن الرد، ولا قبولاً أو إقرارا بما يقال من إساءات، بل على العكس كان الصمت لإيماني بأننا أمام عالم جديد وأدوات جديدة نتنفس جميعاً من خلالها للتعبير عن مواقفنا وآرائنا، فالسبيل الوحيد كان التعامل مع هذا الحدث بكل جدية ورشد”.
وأضاف “كانت معرفتي بفحوى هذا الإيميل صادمة ومفاجئة. استعنت بعدد من الصديقات والأصدقاء لاستشارتهم عن التصرّف الواجب اتخاذه حيال هذا الأمر، وكان الاقتراح الأبرز يدور أنّ صاحبة الإيميل لم ترسل شكوى للتحقيق، وإنّما أرسلت رسالة تحذير لإحدى مجموعات التواصل. ومن الواجب أن أعلن في أحد اجتماعات الحملة عن استعدادي للتحقيق معي إذا أرسلت شكوى وطلبت التحقيق فيها، فطلبت من الهيئة التنسيقية للحملة بالتعاون مع الحزب أن يتولوا تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للتحقيق معي فى الوقائع المنسوبة لي، وأن تتولى تلك اللجنة التواصل مع الشاكية للاستماع لها ولشهودها”.
وأشار علي إلى أنّه “بعد فترة وجيزة من تشكيل لجنة التحقيق قدّمت إحدى عضوات حزب العيش والحرية شكوى ضد الشخص الآخر المذكور بالإيميل في شأن الواقعة الأخرى المنسوبة إليه، وطلبوا من نفس لجنة التحقيق أن تتولّى التحقيق بهذه الشكوى أيضاً، لتصبح اللجنة مسؤولة عن التحقيق بالواقعتين. وعندما انتهت الحملة، تعمدت بالطبع بعض المواقع الصحفية والصحف والبرامج التلفزيونية الخلط بين الواقعتين، ونسبت لي أفعالاً، ونسجت حكايات وروايات لم ترد حتى بالإيميل”.
وتابع “لقد أصرّت لجنة التحقيق أن تتواصل بشكل مباشر مع صاحبة الإيميل دون أي وساطة بينهما، واستمرت اللجنة في عملها حتى بعد أن رفضت هي التعاون مع اللجنة، وطلبت منهم عدم الاتصال بها، ورغم علمي بذلك لم أطلب من اللجنة وقف أعمالها، وكان من المنطقي أن أطلب منهم هذا الطلب، ولم يكن هناك مفر أمام اللجنة حينها من إنهاء مهمتها عند هذه النقطة”. وقال “انتهى التحقيق، وانتهت اللجنة إلى أنني لم أرتكب أي فعل أو لفظ يمثل سلوكاً جنسياً يمكن إدانتي عليه”، وقالت لجنة التحقيق، بحسب علي، إنّ “كل ما ذكر في الإيميل بشأن الوقائع المدعاة علي لا يمكن وصفه بالتحرش”.
والسبت الماضي، أعلن حزب “العيش والحرية”، في بيان، نتيجة التحقيق، وبرّأ مؤسسه خالد علي، وأدان الشخص الآخر بارتكاب “سلوك مشين”، موضحاً أنّ الفتاة محل الادعاء رفضت المشاركة في التحقيق.
وقال علي، في بيانه المطوّل، إنّه “رغم النتيجة التي انتهى إليها التحقيق، إلا أنّني مدين بعدة أمور: أولاً: مهما كان تعليقي على ما ذكر بالإيميل فإنّ ذلك لا يعني تجاهلي لمشاعر صاحبته ولا الصورة التي وقرت في ذهنها، فمجرد تفكيرها هذا التفكير نحوي وكتابتها لإيميل يحمل هذا المضمون يلزمني بأن أقدّم لها اعتذاراً عن هذا الألم الذي تعرّضت له، ثانياً: أعتذر لكل النساء اللواتي تعاملت معهن من خلال عملي المهني أو السياسي والعام، لأنّ اسمي ذكر في هذه الوقائع على هذا النحو وعلى هذه الصورة التي لا أرتضيها لنفسي”.
وتابع “ثالثاً: أعتذر لأطفالي وقلبي الذي يخفق على أنّني تعاملت بحسن نية في مواقف عدة مع كثيرين، وربما ساعد ذلك على وجود اسمي في مثل هذا الحدث، وأعاهدهم على أن أكون أكثر حرصاً وتشدّداً مع نفسي ومع الدوائر القريبة مني. رابعاً: أشكر لجنة التحقيق التي قبلت متطوعة هذه المهمة الصعبة. خامساً: أشكر كل الذين قدموا لي النصح في طريقة التعامل مع هذا الحدث فور علمي به وبخاصة النساء منهم. سادساً: أعلن استقالتي من عضوية حزب العيش والحرية، ومن عملي كمستشار للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأناشد الجميع بمساندة الكيانين في ظل السيناريوهات المعدة للنيل منهما من قبل أجهزة الدولة، فما يتم بناؤه من كيانات تؤدي مثل هذه الأدوار الهامة في حياتنا يجب حمايتها ودعمها”.
وبعد إعلان استقالته من عضوية الحزب الذي أسّسه، ومن المركز الحقوقي الذي يعد أحد مسئوليه، لم يوضح علي، في البيان، مستقبله السياسي.