فتوى تحت الطلب، يقولها أئمة السلطان أو علماء الاستبداد، هم أصحاب العمائم المشبوهة، الذين يستدلون بالشرع لإباحة الظلم للظالمين والفساد للفاسدين ويحولون الحاكم إلى إله أو ظل الله في الأرض، كما يزعمون أن الخليفة كالمرسل من الله الذي ولاه أرضه وعباده، وتصرف المالك البشري من وجهة نظرهم فيما يملك عدل وليس جورا، والشعب من هذا المنطلق من ملك الحاكم الذي لا يجوز الخروج عليه أو مطالبته بأي حق ما دام هو المتصرف في كل شيء.
في أحدث تطبيلاته للنظام السعودي خرج شيخ البلاط عبد الله المنيع، في انقلاب جديد على فتاوى هيئة كبار العلماء السابقة، وبعد ساعات من اعتباره لصوت المرأة “حلال” خدمة لولي أمره محمد بن سلمان، استنكر عضو هيئة كبار العلماء في السعودية الحكم على الكافر بأنه في النار أو وصف شخص بالزنديق أو المقصر.
المنيع شارك عضو هيئة كبر العلماء صالح الفوزان في فتوى تحرم المظاهرات والثورات ضد الطغاة ووصفها بالخروج على ولي الأمر، وأهدر دماء المعارضين في سجون السعودية، ودماء أي مسلم يقف ضد الظلم في بلاده أو ضد حاكم طاغية يفرط في المقدسات ويوالي الصهاينة، بقوله إن ذلك يعد من الكبائر التي تستوجب القتل.
طبل يا فوزان
وقال “الفوزان” في مقطع متداول له: إن الخروج على ولي الأمر يُعَد كبيرة تستحق قتل صاحبها ولو كان مسلما عقوبة وتعزيرا وردعا لأمثاله، وتابع فتواه التي فصلها لحساب ابن سلمان وأبيه الملك: “هذا من باب دفع الشر الأعظم الذي يحصل ضد المسلمين بالشر الأقل الذي هو قتل هذا الشخص؛ لما في ذلك من القضاء على دابر الفتنة”.

وأضاف: إن كان مسلما يُقتل ولو كان مسلما؛ لأنه يريد شق عصا الطاعة وتفريق الجماعة والإخلال بالأمن، ويترتب على ذلك مفاسد كثيرة، وفي تحريض واضح على المعارضين والنشطاء المخالفين لسياسات النظام بمواقع التواصل، حذّر “الفوزان” من وصفهم بالمندسين والمهيّجين وأصحاب الفتن الذين يحرّضون على ولاة الأمر من خلال الفضائيات ووسائل الإعلام.
مصطلح “مشايخ البلاط” أوجع عبيد الدولار والدينار وحملة المباخر، وعلى رأسهم الدكتور على جمعة، مفتي الجنرالات السابق، الذي استشاط غضبا واحمرت عيناه كعيني ذئب شره للباطل، وقال إن دار الإفتاء على مدار 150 سنة لم تصدر أي فتوى تخدم مصلحة الحكام، هذا على أساس أن دار الإفتاء لم تكن تخدم مبارك والسادات وعبدالناصر، وأن فتاويها كانت تطبل لمخلوقات فضائية تعيش في مجرات أخرى!
“جمعة”، أغضبته الحقيقة التي بات يعرفها ويعرف أن الناس تعرفها، وهي أنه مفتي السلطة والسلطان، وزعم أن “كلمة مفتي السلطان من وجهة نظره هي مدح وليست ذمًا، وأن السلطان الذي يجعل العلماء بجانبه دائما ليستفتيهم، فهو رجل تقي”، وتلك عادته في اللعب بالبيضة والحجر وقلب الحق باطلا والباطل حقا، لكن حيله في العبارات والكلام لم تعد تنطلي على جنين في أحشاء أمه.
الطبالون غاضبون
وتسرب الغضب إلى جمعة وظهر التوتر والارتباك على مقاطع كلماته، وهو يزعم أن “القول إن علماء الأزهر يجاملون الدولة كذب، وعلى من يتهمهم بذلك أن يأتي بالدليل، واتهام علماء الدين والأزهر بعلماء السلطان هو خلل في الجماعات الإرهابية حيث لا يفهمون الدين ولا يريدون فهمه فيتهمون العلماء الأتقياء بما ليس فيهم، ولذلك فإن القول إن علماء الأزهر علماء السلطان كذب وغباء”.
ويتعامى “جمعة” عن حقيقة أنه لا يعيش وحده في مصر، وأن المصريين لا يتحدثون عن عصر ما قبل التنوير وما فعله رهبان الكنائس، القصة قادمة من أرض الأزهر أحد أكبر معاقل المسلمين وصروحه، والحدث هو فتوى مشبوهة تُحرّم الترشح ضد الجنرال السفيه المنقلب على رئيسه عبد الفتاح السيسي.
بطل هذه الفتوى هو الداعية الأمنجي المعروف محمد سعيد رسلان، وقد سبقه في ما يشبه فعله “علي جمعه” الذي أباح دماء المعارضين لانقلاب السفيه السيسي، واعتبرهم خوارج وقبل ذلك غرّد “الهلالي” بعيدا عن الجميع عندما وضع السفيه السيسي في رتبة الرسول، مع وزير داخليته آنذاك محمد إبراهيم، وشبههما بموسى وهارون عليهم السلام .
ولم تكن أرض الكنانة لوحدها المصابة بفوبيا الفتاوى المشبوهة فقد اختار شيوخ البلاط في السعودية أن يحذوا حذو نظرائهم في أرض الكنانة؛ فإمام الحرمين السديس يدعو الله لترمب وابن سلمان، وعائض القرني في وقت حصار المسلم لأخيه المسلم في الشهر الحرام يؤيد ولي عهده، وعلماء يجيزون قيادة المرأة للسيارة تزامنا مع أمر من القيادة العليا، تجيز ولم تكن تلك الفتاوى التي حظيت بها بلاد الحرمين، إذ فمع ارتفاع الأسعار في السعودية خرجت فتوى تقول : “إن ارتفاع الأسعار من الله قبل أن يكون أمرا من ابن سلمان أمير المؤمنين” كما يحلو لهم تسميته.

المتاجرة بالدين
إنها موجة الفتاوى السلطانية المشبوهة التي غالبا ما تأتي تحت الطلب، لتزيد من الشبهات حول أصحابها، حتى أدخلوا ضعاف القلوب والعقول الشك في أنفسهم وربما في دينهم؛ فلماذا يفعل من كنا نحسبهم علمائنا ذلك؟! لماذا سقطوا من قمة جبل الإجلال والتقدير وسمو الاحترام إلى أسفل نقطة في الامتهان والإهانة والمتاجرة بالدين؟ ألا يعلمون أنهم بذلك يجعلون الناس لا يقدرون العلماء ولا يهتمون بأي قدوة؟ ما دام من كان قدوة خذلهم في الوقت الذي كانوا يحتاجون فيه إليه.
هم بذلك يصنعون المستبدين ويسهمون في توطيد أركان الظالمين، ويحولون السلطان إلى إله لا يعصى في أمر ولا ينهى عما فعل، وهو معصوم من الخطأ لأنه في مرتبة النبي المرسل، وبذلك يصدق علماء التاريخ والأديان في قولهم: “إن الاستبداد السياسي هو وليد الاستبداد الديني وهو أحد أسباب فصل الدين عن السياسية في أوربا إبان ثورتها الخالدة في قرونها الماضية المنيرة”.
يقول الكواكبي في كتابه الأشهر طبائع الاستبداد: “إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قداسة يشارك بها مع الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله”، لكأن الكواكبي يعيش اليوم في رياض بلاد الحرمين، أو مر بالمحروسة القاهرة أو زار دمشق المقهورة، أو مر بديار بغداد والموصل، ليتهم لم يتكلموا، فالسكوت كان سيعطيهم مكانة واحتراما، على الأقل لن نعلم أنهم كانوا يضحكون علينا بدموعهم، ويخدعوننا بخشيتهم المصطنعة، ولباسهم المستورد ولحاهم المزيفة.
ليتهم سكتوا ولم يبيحوا الدم ويجيزوا السكوت عن القصاص، ويحلوا للحاكم أن يستبد بكل شيء لأنه يملك شيئا، لقد صنعوا دينا جديدا لأنفسهم كله مصالح أساسها الخوف، وقاعدته الأساسية “لا تنازعوا حكامكم أمورهم حتى ولو كانوا قتلة مجرمين”، إنها تجارة جديدة قديمة هي تجارة الدين وصناعة اعتاد العرب عليها في قرونهم الخالية هي صناعة الفرعون المستبد من خلال فتاوى تحت طلب يقدمها علماء تحت الطلب، فمتى تنتهي موجة الفتاوي المشبوهة لقد مل الناس من بعض علمائهم وسقطت القدوة في نفوس الناس.