“السيسي” لا يقترب من معرض الكتاب.. تعرف إلى السبب

- ‎فيتقارير

للسنة الرابعة على التوالي يغيب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي عن افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهو التظاهرة الثقافية الأبرز في مصر.

وجاء الافتتاح الرسمي للدورة الـ49 للمعرض، مساء الجمعة الماضية، تحت عنوان “القوى الناعمة .. كيف؟!”
بحضور عدد من مسؤولي الانقلاب وغياب السيسي الذي لا يؤمن بالقوى الناعمة، مكتفيا بالقوة الخشنة والرد بوحشية وقسوة..على اية معارضة ، فتحولت استراتيجية المنقلب إلى تعميم الخشونة على المجتمع ككل، اقتصاديا باجراءات غير مسبوقة تضيق على المواطنين، واجتماعيا بالاعتقالات والقتل، وسياسيا بالتصفية السياسية والجسدية…وغيرها.

سر تغيب السيسي

ولعل المثير للدهشة هو مشاركة السيسي في افتتاح مشروعات تافهة، حتى توسعة الطرق أو تدشين عمل الحفار بنفق قناة السويس، حضرها السيسي، بالإضافة إلى افتتاح أحواض السمك والزريعة، التي كان يمكن ان يفتتحها محافظ او مسئول محلي، إلا أنه يغيب عن افتتاح معرض الكتاب الذي يعتبر أقدم وأعرق معرض للكتاب في الشرق الأوسط، بعد معرض بيروت.

فمنذ أن استولى السيسي على الحكم بعد انقلابه العسكري، سجل بغيابه عن معرض الكتاب استثناءً تفرد به عن الذين جلسوا في نفس المقعد الذي استولى عليه؛ فإذا كان جمال عبد الناصر لم يشهد عصره إلا دورتين للمعرض، لم يحضر افتتاحهما، فقد سار على نهجه أنور السادات، إلا أن مبارك حرص على افتتاح المعرض منذ عام 1986، وظل حريصًا على هذا ذلك حتى تدهورت صحته مع نهاية فترة حكمه، وكان يحرص على لقاء “بعض” المثقفين على هامش المعرض، ولم يغب مبارك عن الافتتاح إلا عامي 2003 و2009.

وكان مبارك حريصًا على حضور المعرض وافتتاحه، بشكل ربما يظنه البعض مبالغًا فيه، حتى إنه في الأسابيع التي سبقت ثورة “25 يناير” والدعوة المصاحبة للتظاهر، كان مبارك حريصًا على الاتصال بوزير الثقافة حينذاك فاروق حسني، والتأكيد عليه أنه سيحضر بنفسه افتتاح المعرض، الذي كان مقررًا له أن يبدأ في 29 يناير 2011، حسبما صرّح حسني في أحد الحوارات معه بعد الإطاحة بمبارك. ومع رحيل مبارك عن الحكم، ومجيء الرئيس محمد مرسي، استمر تقليد افتتاح رئيس الجمهورية للمعرض في دورته التي حلّت في عهده، حيث افتتح الرئيس مرسي الدورة الرابعة والأربعين في يناير 2013، فيما افتتح الطرطور عدلي منصور دورة العام التالي.

مبررات واهية للغياب

ورغم تشدق بعض مؤيدي السيسي بتواجده خارج البلاد، في أديس ابابا، وهو الامر غير المبرر لغيابه عن الفعالية الثقافية الأبرز؛ حيث إن موعد افتتاح المعرض معلوم للجميع قبل عدة أشهر، فمن الطبيعي أن يحدد مكتب السيسي مواعيده والتزاماته طبقًا لموعد افتتاح المعرض…كما أن زيارة السيسي بدأت السبت 27 يناير، وكان بموسوعه المشاركة في افتتاح اعمال المعرض.

ولعل تجاهل السيسي لمعرض الكتاب، يعطى مؤشرًا دالًا على تراجع الثقافة في قائمة أولويات نظام السيسي، بل عدم ايمانه بالثقافة ولا المثقفين الذين بات غالبهم مهدد بالاعتقال او المصادرة أو المنع من النشر، ناهيك عن المنع من السفر أو التهديد بقوائم ارهاب يصطنعها النظام لاقصاء وتهميش كل صاحب فكر في مصر.

علاقة مرتبكة بالمثقفين

ويأتي ذلك في وقت يشهد مجال النشر في مصر أزمة حقيقية لاعتبارات عديدة، منها حقوق الملكية الفكرية غير المحمية حتى الآن في القانون المصري، بخلاف ارتفاع أسعار الورق إلى أكثر من الضعف في الفترة الأخيرة، على غرار ارتفاع الأسعار في كل السلع، وهو ما يهدد تلك الصناعة الهامة في “تشكيل وعي وعقول ووجدان الشباب المصري” والذي بدا هدفًا استراتيجيًا لنظام 3 يوليو الانقلابي.

تساؤلات أخرى تأتي عن علاقة السيسي بالثقافة والمثقفين، وهل يراهم كما كان يراهم السادات كـ”أفندية أرازل”؟ أم كما كان يراهم مبارك كـ”وردة جميلة في عروة بدلته”؟ أم هو لا يراهم من الأساس؟

والحقيقة أن موقف السيسي من المثقفين غير واضح، فهو التقى عددًا من “المثقفين والكتاب” بشكل رسمي مرة أو مرتين على الأكثر منذ انقلابه، ولكن لم يُعرف عنه أي اهتمامات بالثقافة أو بالكتاب، وربما المرة الوحيدة التي تحدث فيها عن اهتماماته الثقافية كان في أغسطس 2016 عندما ذكر أن آخر كتاب قرأه كان للكاتب الراحل محمد حسنين هيكل.

مضيفًا أنه “يفضل القراءة لأنيس منصور وموسى صبري وجمال حمدان”، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعلن عن الكُتّاب المفضلين لديه باختياره لأربعة كتاب مصريين كبار ولكن متناقضين، فهيكل وحمدان في اتجاه، وأنيس منصور في اتجاه آخر، والشخص الذي يستطيع الجمع بينهم هو شخص موسوعي القراءة، أما موسى صبري فكان صحفيًا أكثر منه كاتبًا أومفكرًا، وله عدد محدود من الكتب أغلبها كان له طابع الذاتية.

كما أن خطابات السيسي لا توحي أبدًا بكونه شخصًا مشغولًا بالقراءة أو مهتمًا بها، فلم نسمعه يومًا يستعين بمقولة لأديب أو أبيات شعرية أو يسترجع واقعة تاريخية في إحدى خطابات المكتوبة أو المرتجلة، وهو أمر يتضح عندما ينفتح في أحاديثه!!.

وتبقى القوة الخشنة الغاشمة نهج السيسي في التعاطي مع كافة الامور سياسية وثقافية واقتصادية، وهو ما يضيع معه كيان الدولة التي باتت اقرب لعزبة يديرها العسكر لصالحهم فقط.