الغارة على العمل الخيرى

- ‎فيمقالات

 

بقلم: عامر شماخ

 

لم تتوقع السيدة الطاعنة أن تعود إلى بيتها دون غسل كليتيها، بعدما امتنع المستشفى الخيرى -بأمر النظام- عن القيام بتلك المهمة المجانية التى قام بها 3 مرات أسبوعيًا ولبضع سنوات مضت..

اعتادت المسكينة منذ أن دهمها المرض أن يطرق بابها شاب (متطوع) ليصطحبها يوم الجلسة إلى هذا المكان الذى شيده (أهل الخير)، ثم يعيدها إلى بيتها عزيزة كريمة دون أن تتكلف قرشًا واحدًا، بل كان يكفيها ذلك الشاب مئونتها من طعام وشراب، فضلا عن شراء الأدوية المقررة فى كل مرة..

لقد بكت كما لم تبك من قبل، وانتحبت نحيب من اجتمع عليه الفقر والمرض وموت الولد، ورفعت يديها إلى السماء تدعو على من فعل ذلك، فما أخرجها من محنتها إلا يدٌ أخرى حانية تكفلت بنقلها إلى مستشفى خاص لإنقاذ حياتها.. لكن هل تستطيع هذه اليد مواصلة هذا المشوار مع هذه السيدة؟، وماذا عن باقى الحالات التى تعد بالآلاف ولا تجد من يكفلها بعدما أغلق العسكر أبواب الرحمة التي افتتحها المنفقون من أهل الصلاح لعلاج الفقراء والمعوزين.

فى الحقيقة لم يكن انقلاب العسكر فى يوليو 2013 على فصيل سياسى بعينه، كما أوهموا الجماهير المُستخف بها، إنما كان غارة على كل ما هو إسلامى؛ بقصد تجفيف منابع الدين، وتغيير هوية البلد، وضمن ذلك منع الوقف الإسلامى وأعمال البر..

من أجل ذلك تم التحفظ على مئات الجمعيات الأهلية التى تقدم خدماتها الاجتماعية والصحية والتعليمية للمسلمين؛ بحجة أنها تابعة للإخوان، ويعلم الله أن ليس هناك أدنى صلة بين غالبية هذه الجمعيات وجماعة الإخوان، إلا أن يكون هذا الربط مفتعلا لتبرير غلقها ومصادرة أموالها، التى هى فى الحقيقة أموال المحتاجين والفقراء..

قد لا يعلم البعض أن هذا الأسلوب اللاإنسانى مارسه المحتل، ومارسته الحكومات المتعاقبة، التابعة الذليلة منذ أربعينيات القرن الماضى؛ تنفيذًا لأوامر أسيادهم بتمييع الهوية الإسلامية فى مجتمعنا، القائمة على التكافل والتعاون، والتساند والتراحم، وأن ترد أموال الأغنياء على الفقراء، وألا يكون بين المسلمين جائع أو محتاج، وأن يتعفف الفقير فى سؤاله، وأن يسعى الغنى لتطهير ماله وزيادته بالطرْق على أبواب من لا يسألون الناس إلحافًا؛ لكفايتهم وسد جوعتهم.

كما لا يعلم البعض أن جامعات ومبرات ومدارس وصروح عظيمة قامت على أموال الوقف، وقت أن لم يكن هناك عسكر، وأنه رغم التفاوت الطبقى وقتها فإنه كانه بإمكان الفقراء التداوى فى المستشفيات، وأنه مع قدوم (ثورة 1952) الميمونة جف الضرع وهلك الحرث والنسل، وبات -اليوم- العلاج فى مستشفى حكومى ضربًا من الخيال، خصوصًا أن «الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود».

ماذا يفعل المريض الفقير الآن وقد أغلقت مستشفيات الحكومة أمامه؟ وماذا يفعل بعدما تضاعف سعر الدواء؟ وماذا يفعل بعدما صار الطب (مافيا) تغتصب أمواله؟.. الطبيعى أن يتوجه فى هذه الحال إلى الكنائس وما يتبعها من جمعيات ومشاف، فهل يغلقون جمعياتهم ويتحفظون على أموالهم؟ أبدًا والله، ولا يجرؤون فإن أموال المسلمين هى التى يجوز نهبها والتحفظ عليها، كما أباحوا دماءهم وأعراضهم..

وهذه دعوة لأن يعاود المسلمون التفكير فى طرق مبتكرة لرتق الثلمة التى قطعها العسكر، وإعادة الحياة لنهر الخير الذى جففوه. ولن يُعدم المسلمون وسيلة لفعل ذلك، فإن الله ضامن الخير فى هذه الأمة حتى قيام الساعة، مهما حاول المجرمون القضاء على البر فيها، ومهما تعاقبت دول وكرّت سنون.

 لتكن آهات المعذبين بالمرض دافعًا لأهل الخير والدعاة للبحث عن أبواب جديدة لعوْن المحتاجين، ليكن عرض الفقر وشؤمه دافعًا لهم لأن يجيبوا المضطر، ويكشفوا السوء ويتعاونوا على البر والتقوى، فذلك ضمانة ظهور الدين وعلو أتباعه، وإلا:
{وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].

————————————————–
 المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "الحرية والعدالة"

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها