رهان نظام “30 يونيو” على العصا الأمنية.. هل تفضي إلى ثورة شعبية؟

- ‎فيأخبار

تأسس نظام 30 يونيو على انقلاب عسكري دموي، لا يجيد سوى استخدام العصا الأمنية لقمع الشعب وفرض إرادة الجنرالات قهرا وإجبارا؛ لذلك استبدل جنرالات 30 يونيو صناديق السلاح والذخيرة بدلا من صناديق الاقتراع والاحتكام إلى الشعب، وفرضوا معادلة جديدة تعتمد على نفس المعادلة التي كانت قبل 25 يناير 2011م، هي الحكم الجبري بالحديد والنار.

في سبيل تكريس الحكم العسكري الشمولي، نفذ الجنرال عبد الفتاح السيسي وأركان عصابته عشرات المذابح، وهيمنت المؤسسة العسكرية وأفرعها من المخابرات على الفضاء الإعلامي بتأميم الفضائيات والصحف والمواقع، كما تم تأميم الفضاء السياسي وماتت التعددية، وتم تكريس الصوت الواحد وفرض إعلام السلطة على المجتمع جبرا وقهرا.

في مواجهة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت بعد رفع سعر تذكرة المترو من جنيهين إلى 7 جنيهات مرة واحدة، استخدم النظام عصاه الأمنية لفرض إرداته على الشعب بالقمع والقهر والإرهاب، وفي سبيل ذلك تم اعتقال عدد من النشطاء الموالين لثورة يناير؛ منعا لوجود أي صوت يعارض النظام ويمثل خطورة على مواقفه بنسف مبررات قراراته التعسفية وفضح تهافتها وسطحيتها.

ومع القرارات المفزعة برفع أسعار الوقود للمرة الرابعة في غضون 4 سنوات فقط، يستخدم النظام لغة التهديد والترهيب واقتحام 600 موقف سرفيس على مستوى الجمهورية لإجبار السائقين على الالتزام بالتعريفة المحددة من المحافظات، كما تم تحرير أكثر من 49 ألف مخالفة مرورية متنوعة خلال 24 ساعة فقط، وإعادة انتشار العناصر الأمنية في محطات الوقود ومستودعات البوتاجاز ومواقف السرفيس لتهديد الشعب من القيام بالتعبير عن الغضب وتنظيم احتجاجات شعبية.

وكشفت صحف اليوم الثلاثاء 19 يونيو، عن وضع وزارة الداخلية خطة لمواجهة ما أسمته بمحاولات إفساد احتفالات 30 يونيو، وعلى الأرجح فإن هذه إشارة إلى شن حملات اعتقالات بالمحافظات مع قرب الذكرى المؤلمة التي أفضت إلى إجهاض المسار الديمقراطي وقتل الآلاف واعتقال عشرات الآلاف بتهم ملفقة وتقارير أمنية مفبركة.

الدول تحكم بالسياسة وليس بالأمن والقهر والقوانين الغليظة، الأمن أداة لمساعدة السياسة على تنظيم أدائها وحمايته، ولكن الأمن ليس بديلا عن السياسة، هذا درس أولي في أي تجربة حكم ماضية وحالية.

لكن نظم الحكم الشمولية دائما ما تستوعب هذا الدرس بعد أن يفوت أوانه؛ ففي لحظاته الأخيرة قبل هروبه قال حاكم تونس القوي والمتكئ على أجهزة أمنية وقضائية شديدة السيطرة والتحكم، في كلمته لشعبه: الآن فهمتكم، ولكن المشكلة أن استيعاب زين العابدين بن علي للدرس وفهمه له كان بعد فوات أوانه، وكان سعيد الحظ إذ ركب طائرته ورحل، فنجا من مصير القذافي.

رهان خاسر

من جانبه، يحذر الكاتب الصحفي جمال سلطان من رهان السلطة على العصا الأمنية الغليظة، واعتبره رهانا خطرا على مستقبل البلاد لن يحول دون اشتعال ما يخشاه النظام من ثورة عارمة.

وفي مقاله بعنوان «السياسة والأمن ورهانات السلطة الخطرة» يقول سلطان: «الضغط المتوالي من السلطة بزيادة الأسعار، مع عدم مواكبتها بزيادة في دخل الفرد أو وضع زيادة هامشية مثيرة للشفقة، له عواقب شديدة الخطورة على المستوى السياسي وعلى المستوى الاجتماعي، ففي الجانب السياسي هو يشحن أجواء البلد بالغضب والاحتقان والرغبة في الثورة على ما يجري، وهنا من الواضح أن الرهان الرسمي للرئيس هو على قدرة أجهزة الردع على السيطرة، بقوة السلاح أو بقوة الإجراءات القانونية الخشنة أو بحالة الطوارئ وعصاها الغليظة، وهي أدوات لا تعالج الحالة ولا تمنع المرض بل تفاقمه تحت السطح».

ويضيف سلطان «دروس التاريخ في جميع التجارب المشابهة تكشف عن أن هذا الرهان خطير للغاية، وعند حدوث الانفجار لا سمح الله تكون العواقب كارثية، ومن الصعوبة بمكان التكهن بمآلاتها ونتائجها، وقد حدث شيء من ذلك في مصر قرب أواخر عصر السادات عندما انفجرت البلاد في موجة غضب شعبي خطير على غلاء المعيشة في 17 يناير 1977 وانتشرت الحرائق من الإسكندرية إلى أسوان على مدى يومين، وتردد وقتها أن السادات كان يهم بالهرب إلى السودان، قبل أن يعلن الجيش سيطرته على الوضع».

وحول التداعيات الكارثية لرهان النظام على العصا الأمنية على الجانب الاجتماعي يتابع سلطان «على الجانب الاجتماعي، هناك أمراض تنشأ عن هذا الضغط المعيشي العنيف، لا تقل خطورة عن الأمراض السياسية؛ لأن ضغط الفقر والحاجة، واتساع الفوارق بين شريحة صغيرة مترفة وغير معنية بقصة الأسعار من بابها، وعشرات الملايين من الفقراء أو المعدمين، تولد اتساعا في فضاءات الجريمة الاجتماعية، وتتحول أفواج غير معروفة بالجريمة قبل ذلك إلى مجرمين محترفين، وتتشكل عصابات جديدة، وينتشر مناخ من الخوف والانفلات الأمني المرهق للسلطة وأجهزتها الأمنية، خاصة وأن جهدها سيكون موزعا على جانبين يتعاظم التهديد فيهما: الجريمة السياسية والجريمة الاجتماعية، وبدون شك فإن هذا المناخ هو مناخ مثالي أيضا لصناعة كيمياء جذب هائلة من قبل جماعات التطرف والإرهاب، فهي لن تعاني كثيرا في تجنيد أفواج من المحبطين والمعدومين، وفي الدراسات الاجتماعية والجنائية يتسع الحديث عن الفقر والبؤس والحاجة كأحد الأسباب الجوهرية لانتشار التطرف ومن ثم الإرهاب».

هل تندلع ثورة؟

إزاء الغلاء الفاحش والتوسع في استخدام العصا الأمنية الغليظة ضد الشعب والمعارضة، ينقسم خبراء ومتخصصون أمام هذا السوال إلى تفسيرين:

الأول: تفسير اقتصادي لنقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي، حيث يرى أن صعوبات المعيشة يمكن أن تكون عاملا مساعدا للفوران الشعبى وليس عاملا رئيسيا، خاصة مع ضخامة حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي يتيح فرص عمل إضافية، وتفشى الفساد في الجهاز الإداري للدولة مما يتيح لكثير من الموظفين بالحكومة تعويض قلة رواتبهم، وانتشار عمليات السمسرة بالعقارات والأراضى وغيرها مما يحقق دخولا إضافية للكثيرين. كما أن الطبقات العمالية التي كانت تتزعم الحراك بمدن مثل المحلة الكبرى وكفر الدوار وحلوان، تم إجهاض حركتها باختيار قيادات عمالية موالية والمراقبة الأمنية اللصيقة، وما تم من تعسف مع عمال النقل العام الذين قاموا بإضراب. كل هذه العوامل تجعل من آمال انتفاضة الشعب شديدة الصعوبة لكنها ليست مستحيلة.

الثاني: تفسير سياسي اجتماعي، للكاتب والمحلل السياسي عامر عبد المنعم، في مقاله له بالجزيرة مباشر بعنوان “المترو” وبركان الغضب المكبوت»، يرى أن حركة الاحتجاج العفوي بعد رفع تذاكر المترو أثبتت أن تأثير الجوع والمعاناة يقترب من تأثير التخويف، وكلما ضاقت الفجوة بين التأثيرين والوصول إلى درجة التعادل كلما اقترب المصريون من لحظة الانفجار الكبير وتصفية الحساب، مع مجمل السياسات التي أوصلت مصر إلى حالة الانهيار التي يعيشها المجتمع المصري ويلمسها كل مواطن بنفسه.