رحيل فؤاد سيزكين.. خادم التراث الذي أتقن 27 لغة وشرح حضارة الإسلام لأوروبا

- ‎فيتقارير

في هدوء، وبعد رحلة علمية حافلة في خدمة التراث الإسلامي وكشف حقائق التاريخ الإسلامي والرد على الشبهات التي تتردد حوله؛ رحل المؤرخ التركي الأشهر البروفيسور فؤاد سيزكين عن عمر ناهز 94 عاما.

بالطبع، لم يتمتع “سيزكين” بجزء بسيط من الشهرة التي يحوزها اللاعبون أو الفنانون في العالم الإسلامي، رغم عطائه الواسع في خدمة الأمة بشكل ربما لم يقم به غيره منذ عقود.

استقر جسد البروفيسور المؤرخ في إحدى مستشفيات إسطنبول، بعد حياة حافلة بالعطاء والإنجاز العلمي البارز، كان من أبرز منجزاته فيها موسوعة “تاريخ التراث العربي” وهي أهم إصدار لمعهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية الذي أسسه البروفيسور سيزكين عام 1982 بإطار جامعة فرانكفورت.

وتعتبر الموسوعة مرجعا أساسيا لكل أقسام الدراسات الإسلامية في المؤسسات الأكاديمية المتخصصة بالعالم، وأسهمت في تغيير جانب من الصور النمطية السلبية السائدة بالذهنية الغربية عن الإسلام والمسلمين.

وركزت الموسوعة بشكل خاص على التعريف بالإسهامات المعرفية والتطبيقية الكبيرة للعلماء العرب والمسلمين في عصور ريادة الحضارة الإسلامية، وفضل هذه الإنجازات العلمية على الحضارة الغربية المعاصرة.

وعقب صلاة ظهر اليوم الأحد شيعت جنازة المؤرخ الراحل بعد صلاة الظهر من مسجد السليمانية بإسطنبول، بعد أن كرمته ألمانيا مرتين بمنحه وسام الاستحقاق من أرفع مستويين، وخلدت تركيا ذكرى عالمها البارز بإقامة متحف باسمه في قصر توب كابي العثماني الشهير، وأطلقت اسمه على عشرين مدرسة وعشرة ميادين.

 

من هو المؤرخ الراحل؟

ولد سيزكين بمدينة بدليس جنوب شرقي تركيا يوم 24 أكتوبر 1924، وتتلمذ على يد المستشرق الألماني هلموت ريتر الذي أقنعه بدراسة التاريخ الإسلامي حيث بدأ بتعلم العربية وحصل على الدكتوراه عام 1954 بأطروحة “مصادر البخاري”.

وأصبح سيزكين أستاذا بجامعة إسطنبول عام 1954، ونُشرت له رسالة الدكتوراه تحت عنوان “دراسات حول مصادر البخاري” عام 1956.

وكاد العسكر في تركيا أن يقضوا على مسيرعقب ذلك غادر إلى ألمانيا بعد أن منعته حكومة الانقلابته العلمية، بعد أن منعه الانقلاب العسكري عام 1960 مع 146 أكاديميا من الاستمرار في جامعات البلاد، ليواصل دراساته بجامعة فرانكفورت الألمانية.

وعام 1965، قدّم سيزكين أطروحة دكتوراه ثانية عن عالم الكيمياء العربي جابر بن حيان، وحصل على لقب البروفيسور بعد عام، وتزوج بعد فترة وجيزة المستشرقة أورسولا.

وقبل وفاته، كان سيزكين يواصل كتابة الجزء الـ 18 من “تاريخ التراث العربي” الذي صدر أول أجزائه عام 1967.

وأتقن “سيزكين” 27 لغة، بينها السريانية والعبرية واللاتينية والعربية والألمانية بشكل جيد جدا، وأنشأ عام 2010 وقف أبحاث تاريخ العلوم الإسلامية بهدف دعم أنشطة متحف العلوم والتكنولوجيا الإسلامية في إسطنبول.

وحصل على جوائز وأوسمة دولية عديدة طيلة حياته من مؤسسات مختلفة مثل مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية في بغداد، بالإضافة إلى أكاديمية العلوم في تركيا.

تكريم ألماني تركي

كتب الرئيس الألماني الأسبق ريتشارد فون فايتسكر إلى سيزكين أن قراءته المجلد المتعلق بريادة المسلمين بالجغرافيا والخرائط بموسوعة “تاريخ التراث العربي” أقنعته بأن الحضارة الأوروبية مدينة بما حققته ووصلت إليه للعلماء العرب والمسلمين.

وأشار “سيزكين” إلى أنه سعى إلى تحقيق هدفين من تأسيس معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، الأول إيقاظ المسلمين من سباتهم وتذكيرهم بريادتهم الحضارية السابقة وحثهم على استعادتها، والثاني هو تعريف الغربيين بالدور الكبير للعلماء العرب والمسلمين في بناء حضارتهم.

وتقتني مكتبة المعهد حاليا نحو 25 ألف مجلد قال سيزكين إنه جمعها من ستين بلدا زارها، واشترى منها على نفقته الخاصة كتبا ومخطوطات ومصورات على الميكروفيلم.

مسيرة علمية رائدة

وأصدر المعهد خلال 35 عاما من مسيرته 1400 مجلد حول إنجازات العلماء العرب والمسلمين بمجالات الطب والصيدلة والفلك والجغرافيا والكيمياء والفيزياء والزراعة والري والهندسة والعمارة والموسيقى.

وصدرت هذه المجلدات بالعربية والألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية.

كما يحتوي متحف المعرض على نسخ مطابقة لـ930 اختراعا وأداة ابتكرها العلماء العرب والمسلمون في القرون الأولى التالية للهجرة النبوية في 14 مجالا للمعرفة، وبنت عليها أوروبا نهضتها الحديثة.

وانتهت حياة المؤرخ الشهير بعد أن عبر عن أمله في أن تسهم إنجازاته بتحرير العرب والمسلمين من الدونية وعقدة النقص أمام التفوق الغربي “الذي ليس قدرا محتوما”.