– مع الانقلاب نأمل أن تتساوى المساجد مع الكنائس في الحقوق!

 – المواقف السلبية لكثير من علماء الأزهر نبتة زرعها عبد الناصر

– الانقلاب مفسدة للدين.. فمن يقبل العيش مع الانقلاب سيطوع نفسه ودينه له 

فجر عاطف صحصاح


لا يخفى على أحد الآن حرص الانقلاب على استخدام الدين مطيّة لأغراضهم وتطويعا نحو ما يريدونه من جرائم، مستخدمين في ذلك للأسف علماء ومشايخ خاصة من الأزهر الشريف، وهو ما يثير الألم على تلك المؤسسة الدينية العريقة أن يكون بها أمثال هؤلاء الذين لا دور لهم الآن سوى قلب الباطل حقا والحق باطل.

وفي حديثه لـ"الحرية والعدالة" ربط الدكتور يحيى إسماعيل حبلوش -أستاذ الحديث الشريف وعلومه، ورئيس جبهة علماء الأزهر- بين الماضي والحاضر؛ حيث أكد أن ما شهدته البلاد من مواقف سلبية لبعض علماء الأزهر إنما قد زُرعت له بذور منذ زمن بعيد حينما نزعوا عن الأزهر سيادته واستقلاله، وهو ما تمثل جليا في عصر عبد الناصر حينما ألغي أوقاف الأزهر التي كانت تضمن لكل من فيه الحياة الكريمة.


ومن ناحية أخرى أشار -إسماعيل- إلى أن تأخر النصر لا يعني عدم استجابة الله تعالى، ولكن هناك دورة حياة لكل حدث لا يعلم إلا الله تعالى آليات سيرها وما الذي ستسفر عنه.كما أشار إلى أن كل فرد عليه دور في إحياء الثقافة الإسلامية التي هي مدعاة للتجميع والتأليف.

يذكر أن الدكتور إسماعيل، له العديد من المؤلفات والدراسات، كما أن له العديد من المساهمات في المؤتمرات والندوات، خاصة ما يتعلق منها بنصرة قضايا المسلمين عامة والقضية الفلسطينية بشك خاص. وهذا نص الحوار:


 

 

• نحتاج بين فترة وأخرى أن نعيد على الأذهان موقف الشريعة الإسلامية مما حدث في مصر من انقلاب؟

• بالمفهوم الشرعي الانقلاب أعظم الجرائم، يقول الإمام قتادة -إمام أئمة التفسير بعد ابن عباس-: لم أجد الله رب العالمين توعد على معصية مثلما توعد على معصية خيانة العهد والغدر بالمواثيق. وقد قال تعالى: "وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ". وعهد الله هنا هو أي اتفاق يوثق بمقتضى اليمين، وهو ما يحدث إبان القسم الرئاسي أو الوزاري، أي أن العهد تأسس بعد يمين الله. ولذا فأي نقض لا بد أن يكون معه إفساد، وهو بالضبط ما فعله السيسي باعترافه حين أكد أنه لم يكن ينفذ للرئيس أوامر، فهذا تسجيل على النفس بارتكاب الخيانة العظمى. ولذا لم يقل الله تعالى: اللعنة لهم، ولكن قال سبحانه: "أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ"، أي بالاختصاص لهم.


• كيف تفسر استخدام الانقلاب لظهير سلفي من جهة وأزهري من جهة أخرى؟

• في بعض مفردات السؤال الإجابة، فالانقلاب فساد، ويقابله الاعتدال؛ فإذا ما دخل في أمر وتُرك فيه أتي على كل شيء، فهذه هي حقيقته في لفظه وطبيعته، ولذا فهو يفسد الدين، أي يفسد على المتدين دينه مادام قَبِل أن يعيش مع الانقلاب فلا بد أن يطوع نفسه ودينه له، والانقلاب انحراف، فإذا ما طوّع الفرد دينه ونفسه للانقلاب سهل عليه أن يفعل كل شيء. وليست هذه هي المرة الأولى التي يُظلم فيها الناس ويقتلون باسم الدين؛ فقديما سمعنا عن الحاكم بأمر الله، والظلم الشديد الذي اشتهر به؛ حتى إنه كان من بين قوانينه أنه لو ذكر اسمه في السوق ولم يقف البائع والمشتري ويسجدوا له فعقابهما القتل. وقد عاش الناس في ظل هذا الحكم الظالم حتى فسدت خامة الإنسان وفطرته، وجاء الشاعر "ابن هانئ الأندلسي" ليقول له: ما شئت لا ما شاءت الأقدار..فاحكم فأنت الواحد القهار. أي أن الظلم الشديد هذا صار من الدين؛ ثم استمر كذلك في ظل حكم القرامطة والذين كانوا على دين الحاكم بأمر الله، فصار من الدين حينها استباحة المسجد الحرام فقتلوا باسم الدين 30 ألف حاج يطوفون ببيت الله الحرام. ثم نُزع أيضا الحجر الأسود باسم الدين ونقل إلى البحرين وظل 22 عاما بعيدا عن الكعبة المشرفة حتى تم رده.

 

والشاهد من ذلك أنه طالما سُوغ الانقلاب فليس من المنتظر الاعتدال في أي شيء، ومن هنا كان قول النبي -صلى الله عليه وسلم-" لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن". والله تعالى يقول: "وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ…". وهذا لمجرد "الركون" فما بالنا بمن رضوا واتبعوا ودخلوا في طاعته. ولذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-:" اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي..". وهذا مما يؤكد أن دين المرء قابل للفساد. ومن هنا نقول إن الذين يركنون إلى الانحراف والانقلاب والميل والجور، لا بد أن يأتي هذا الفساد على أغلى ما عندهم وهو دينهم، فلا يستغرب إذن استخدام الانقلابيين وأمثالهم للدين وامتطاؤهم إياه، فإذا قال لهم الدين ما أرادوا يحتكموا له ويعلنوا عن آرائه، أما إذا قال لهم هذا حلال وهذا حرام يكون إرهابا وتطرفا وغير مقبول بل ويحرم الزواج من أصحابه والتعامل معهم!

 

 

• ولكن ألا يعني هذا أن هناك مؤسسات دينية كالأزهر تعاني الفساد من داخلها ومن ثم أفرزت تلك الحالة السلبية التي ظهرت؟

• الفساد موجود في الأرض حتى قيام الساعة، فالله تعالى قد ابتلانا بالنقيضين؛ فلا صلاح بغير فساد، ولا استقامة بغير اعوجاج، لكن البلاء يأتي من الغفلة عن هذه الحقيقة، وأن ننظر لبعض الصالحين على أنهم ملائكة؛ والأزهر والعلماء ما هم إلا شريحة وفصيل من هذا المجتمع لكن في فترة ما غلب صلاحه فساده فاستقام الأمر، وفي فترة غلب الفساد حتى وصلنا إلى حال نطالب فيها بأن تتساوى الأغلبية في المجتمع مع أقليته. ففي مجتمعنا لا تمس الكنائس ولا يفرض عليها إمامها أو خطيبها ولا يتحكم أحد في مواعظها، ولم تستولِ الدولة على الأوقاف المخصصة لها، ولذا فالأغلبية المسلمة في المجتمع طالب ومازالت تطالب بأن تتساوى المساجد مع الكنائس!


 

• ولكن من أين أتي هذا الفساد للأزهر؟

• الحقيقة أن السياسة مثلها مثل الهواء عندما يفسد، يفسد معه كل شيء من الطعام والشراب والإنسان، فالفساد السياسي وضعف الأمة والكيد الكنسي والشيوعي كل ذلك تعاون على الأزهر واستجيب له للأسف. فالأزهر الشريف بعد أن تطهر من التوجه الشيعي بدأ كمؤسسة علمية دعوية وارثة للمساجد الثلاثة "الحرام والنبوي والأقصى"، وكامتداد لمسجد عمرو بن العاص، وكان للأزهر أوقافه الخاصة التي كانت تضمن للدارس والمدرس وللعامل وللزائر طعامه وشرابه ومبيته وكسوته للشتاء والصيف، فضلا عما يسمى بيت "الجراية" أي تجري على دواب الأساتذة والمشايخ، وهذا يعني أن الأزهر بكل ما فيه كان خارج ميزانية الدولة، فصلاح الدين الأيوبي وحده أوقف في عصره على الأزهر منطقة منيل الروضة، وقد ذكر لي الشيخ عبد الحليم محمود أن نصف بحيرة البرلس كانت وقفا على الأزهر، وكذلك منطقة الدقي كلها، بخلاف 170 ألف فدان في البحيرة، 17 ألف فدان في قرية تدعى بشلي بمركز ميت غمر.

إذن فقد كان الأزهر أغنى وأقوى مؤسسة عالمية، وعندما جاء محمد على اعتبر الأزهر مؤسسة من مؤسسات الدولة وأجرى رواتب على بعض العلماء، وللأسف فقد فرح بها البعض نظرا لضآلة الدخول في تلك الفترات، وكانت تلك هي الخطوة الأولي في تراجع الأزهر، ومن بعده بدأت حالة الاستدانة في البلاد في عهد إسماعيل، ولذا ففي عهد توفيق بدءوا يأكلون من ثروات وأوقاف الأزهر من أطرافها، ومع ذلك ظلت ثروة الأزهر كبيرة ومستقلة، كل ذلك حتى جاء عبد الناصر وضم أوقاف الأزهر لوزارة الزراعة وأنهى ما كان يسمى أوقافا، وجعل العلماء تابعين لوزارة المالية. وحكى لي الشيخ محمد نايل أنه كان في مكتب الشيخ محمد الخضر حسين -شيخ الأزهر الأسبق- فإذا باللواء محمد نجيب يأتيه ويصافح الشيخ الخضر ويقبل يديه، ثم يسأله ماذا يطلب الأزهر في الميزانية الجديدة؟. وهذا يعني قدر الأزهر حتى تلك الفترة، حيث يأتيه رئيس الدولة بنفسه ليسأله عما يريد في الميزانية. حتى جاء عبد الناصر، وبدأت سنوات التراجع تحت مسميات كثيرة كتطوير الأزهر أو تحديثه فتم حذف السنة الخامسة الأزهرية ثم الرابعة، وكذلك الرابعة الإعدادية. وجعل كلية الشريعة، شريعة وقانون. ومؤخرا وجدنا وزارة التربية والتعليم في حكومة الانقلاب تقرر مد الإجازة في التربية والتعليم والمعاهد الأزهرية، بالرغم من عدم تبعيتها لها في الأساس. ولكنها آلية لجس نبض شيخ الأزهر هل سيمانع ويصمت أم لا، فإذا ما صمت، فقد تكون المرحلة القادمة هي ضم المعاهد الأزهرية والكليات للتربية والتعليم والتعليم العالي. فالأزهر أُممت حقوقه، سلبت أوقافه، نزعت عنه السيادة، ومساجده أقرب ما تكون إلى حال المساجد المحتلة!

 

 

• وكيف أفرزت تلك الأمور شيخ أزهر يقف إلى جوار الانقلاب ويسوغه له دينيا؟

• وكيف لا وقد فعلها من قبله شيخ الأزهر في عهد عبد الناصر، حين أصدر ما سوّغ قتل سيد قطب بدعوى أنه محارب لله ورسوله.. وقد كان "الشيخ حسن مأمون" مفتي الديار المصرية حتى ما أصدر تلك الفتوى فأصبح شيخا للأزهر. وقد صدرت الفتوى بتوقيعه حينها وصدرت كهدية على مجلة منبر الإسلام. ولذا فمن يظهر الآن من العلماء ليسوغوا القتل والدم لم يكونوا هم البادئين بالفساد. فالانحرافات موجودة منذ أمد، تكبر أو تصغر بحسب حضور الدين في صدر الأمة.


وقد تأسست جبهة علماء الأزهر سنة 1946 لتكون منبرا مواجها خاصة في وجه من غدروا وخانوا الأزهر بعدما تخرجوا وبالذات بعد أزمات ما كتبه طه حسين وغيره في ذلك العصر. فقد كان الأزهر يمثل دار الإسلام. ثم صيروه مجرد معهد علمي فقط. في حين أنه وحتى علميا صار أقل من معاهد الموسيقى والرقص التي لا يصح فيها فصل العلم عن الممارسة والتدريب والعمل!! أما في الأزهر فنتعلم الخطابة ولا نخطب، ونتعلم الفتوى ولا نفتي، وحتى كليات التربية التي يجب أن يتدرب طلابها في المدارس قبل التخرج، فلدينا في الأزهر هذا ممنوع. ولذا فقد تأسست الجبهة لتعويض ذلك الفقد في الناحية العملية من الأزهر. وهو الفقد الذي منذ أن بدأ كثرت في إثره الجمعيات والمؤسسات الأخرى والتي كان منها جمعية أنصار السنة، الجمعية الشرعية، الشبان المسلمين، وجماعة الإخوان المسلمين.


 

• كيف ترى وضع الأزهر في وثيقة دستور الانقلاب؟

• بداية نستنكر بالطبع أن تعطي المحكمة الدستورية الحق في تفسير ما له علاقة مباشرة بالدين والمرجعية الإسلامية، فالنص الوحيد الذي يؤسس لكون الشريعة الإسلامية هي مرجعية الدولة لا يملك أحد الآن تفسيره ومن ثم تطبيقه سوى المحكمة الدستورية، وهي بالطبع ليست مختصة وليس بها علماء مؤهلون لذلك. كذلك فقد نزع من الأزهر ما أعطي له في الدستور الشرعي 2012 وهو ما يختص بأخذ رأي هيئة كبار العلماء في الشئون المتعلقة بالشرعية الإسلامية، ومع أن الهيئة ليست أزهرية ومستقلة مائة بالمائة إلا أننا كنا حينها في الدستور الشرعي نعدها فقط بداية وخطوة أولى. ومع ذلك فهم لم يلتزموا بالنصوص التي وضعوها هم في وثيقة دستورهم، فقد قالوا إن الحريات مصونة، ومع ذلك تجسسوا على الرئيس الشرعي المختطف وهو يتحدث مع محاميه. فأين تلك الحريات والحقوق؟!


• ومنذ الانقلاب إلى الآن ماذا كانت أبرز مواقف الجبهة؟

• في الحقيقة أن الانقلاب الحقيقي بدأ عام 1954، والعام من حكم الرئيس مرسي كانت فقط كالجملة المعترضة، نسأل الله أن يعيدها إلينا سريعا، وهو ما يؤكده السيسي نفسه حينما يقدم نفسه للأمة على أنه خليفة لجمال عبد الناصر. ولذا فهم على نفس الخط سائرون؛ ووجدنا من يبيح الدم الذي هو أقدس شيء بعد الشهادتين، وبغير محاكمة أو قضاء أو إدانة، يأتي عالم بزي أزهري ويبيح القتل المباشر للخصوم.


 

• وما موقف الجبهة من فتاوى هدم البيوت وإباحة القتل في المجتمع؟

• مهمتنا الآن استنقاذ شرع الله من مخالب الشياطين، فلا بد أن نرد إلى الدين اعتباره في وجه من ينحرف باسم الدين.


 

• ولكن هناك صنفا من العلماء يظن الناس فيهم خيرا فتسمع لهم وتطيع في حين أنهم كشفوا عن وجوههم الحقيقة مؤخرا وبينوا كيف هم موالون للانقلاب بكل جرائمه وآثامه؟

• لا ينبغي لأحد أن يسمع لهم أو يطيع، فالدين دين الله، وهناك واعظ لله تعالى في قلب كل مسلم، ومع كثرة وسائل الاتصال واتساع دوائر المعرفة، فلا يدع الله تعالى مبطلا يقر على باطل، وهذا هو دور المربين والدعاة الآن، ومن قبل ذلك.

أما هؤلاء العلماء فقد تحدث عنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث الإخبار عن أول ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة؛ فمنهم: "… ورجل تعلم العلم, وعلمه, وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها, قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته, وقرأت فيك القرآن, قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم, وقرأت القرآن ليقال هو قارئ, فقد قيل, ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار…". فالعلم في حقيقته ثروة مثله مثل المال، ولكنه لا يضمن بذاته قيمة لصاحبه؛ حتى يعمل بما علم، وفي ذلك سئل الإمام أبو حنيفة: "من أعلم الناس"، فقال:"كل الناس.. لو كان العلم بغير تقوى الله شرف". فلو أن العلم بغير التقوى شرف لكان أشرف الخلق إبليس، فالشيطان يغوي الناس بعلمه عن طريق إثارة الشبهة. ولذا قال سيدنا ابن مسعود: "إنما العلم الخشية". وكذلك قال مصطفى صادق الرافعي: "قالوا حفظ البخاري.. قلت زاد في البلد نسخة".


 

• ونحن نعاصر الآن ذكرى نصف العام على مجزرة رابعة والنهضة، كيف كان دور العلماء في اعتصامات ميادين الحرية؟

• بالطبع كنا موجودين، سواء فرادى أو باسم جبهة علماء الأزهر، وبفضل الله كان لنا دور في ضبط انفعالات الناس بعد المجازر التي حدثت في البداية، وكنا أول من أعلن على المنصة شعار: "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل". وتمت كتابتها في لوحات وتوزيعها في الاعتصام. واتصل بي بعض الشباب بعد مذبحة الحرس الجمهوري وسألوني إذا كان لهم أن يحملوا أسلحة بيضاء ليدافعوا بها عن أنفسهم؛ فقلت لهم: لا، وظل الشباب في تواصل مع العلماء، وقد تواصينا فيما بيننا ألا نحمل على كواهلنا قطرة دم واحدة أمام ربنا.

وفي اعتصام رابعة مررت على كثير من الخيام، وصليت في بعض الخيام الصغيرة، ولم أجد إلا صوّاما وقوّاما ومبتهلين ومتشوقين لوجود الراية الأزهرية الصادقة الحقيقية بينهم.

وكان سمت الناس هناك التآلف والمحبة والانسجام والإيثار، والحرص على البلاد.


• ماذا تقول لمن بدأ اليأس يدب في قلبه؟

• الحقيقة أن الناس تظن أن استجابة الله تعالى للدعاء ولتحقيق النصر لا بد أن تأتي مباشرة وسريعة، في حين أنه كان بين دعوة نوح على قومه واستجابة الله تعالى له 300 عام، وفي الحديث أيضا أن دعوة موسى على قومه بينها وبين الاستجابة 40 سنة، وكذلك فبين دعوة خليل الله إبراهيم بالرسول وبين بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- 24 قرنا. فقبول الدعوة شيء، وظهور أثر الاستجابة شيء آخر. وهذا يجعلنا نثق بالله وبتدبيره للأمور، ويجعلنا أيضا نبذل ونعمل، فالحقيقة أن القِدر الآن يغلي، وفي كل يوم يُكشف لنا الجديد مما كان مخبئا لم يكن ليظهر لولا الانقلاب. والله تعالى يقول: "وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَـمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِـمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا". أي أن الله تعالى قدر إهلاكهم، أما تنفيذ ذلك وموعده فله سبحانه فيها شأن لا نعلمه. فالله تعالى يختار وقت الاستجابة وأهلها ومكانها. فلو أن الله تعالى عجل الاستجابة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أحد، حين قال: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ؟"، فلو عجل الله تعالى لهم العذاب، لما أسلم بعد ذلك خالد بن الوليد، والذي كان معه يوم مؤتة وهو قائد مسلم يومئذ، كان معه 40 قائدا عسكريا من أبنائه فقط.

وكل هذا داعٍ للأمل وليس لليأس، فكسر الانقلاب يتحقق بالفعل الآن ولكن على صور نحن لا نراها، ولذا يقول الله تعالى: "وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ". فنحن الآن لا ندري ماهية هذا الألم والفرقة والخصام الذي يحياه الانقلابيون، ولكننا نثق أنه موجود.


 

• وماذا عن أدوار الأفراد الآن؟

• لو استطعنا أن يرد كل فرد لشخص آخر ثقته بالله، فضلا عن أن نلزم البيان والدعاء، وأن نستمر في أن نكون في خدمة الناس، ونحيي المعارف والثقافة الإسلامية في كل ما حولنا. فتذكير الناس بالدين هي أهم شيء الآن، فالدين داع تجميع واتفاق، والبدعة والأهواء داع تفرق. ومن ناحية أخرى ففريضة علينا الآن تفقد أحوال المعتقلين والمعتقلات وأهالي الشهداء والمصابين. ومن ناحية أخرى ففي مثل هذه الأوقات خاصة والناس معرضون فيها للقتل والقنص، فلا بد للإنسان أن يُمحص وجهته بدقة، حتى إذا ما لقي ربه يموت على الحق، فلا ينزل الفرد مدافعا عن حزب أو تيار أو فرد، ولكن يصحح نيته حتى تكون حسبة وابتغاء لوجه الله تعالى، وحتى تكون كلمة الله هي العليا. فكل فرد مسئول عليه ألا يتبع آخرين اتباعا أعمى. ومن ناحية أخرى فالأفراد خاصة في نزولها للمطالبة بعودة الشرعية لا بد ألا تخرج عن الإطار السلمي ولكن دون استسلام أو ترك النفس للقتل. فلا يبدأ الإنسان في العدوان أبدا، ولكن إن اعتدى عليه أحد فليدافع عن نفسه بما يكف عنه الأذى ويدفعه.


 

• وهل ترى أن العلماء ستلتزم بخطبة يوم الجمعة الموحدة التي هي من بين قرارات وزارة أوقاف الانقلاب؟

• بموجب هذا القرار أصبح الشيخ موظفا عند الجمهور؛ لأنه يملك التبليغ عنه والوشاية بأنه لم يلتزم بموضوع الخطبة أو وقتها، وبهذا يصبح الإمام مأموما؛ ومع ذلك فالعالم الحق لا يقف أمامه شيء، فإذا كان موضوع الخطبة مثلا عن العشوائيات فللإمام أن يُحدث الناس عن العشوائية في الفكر أو السلوك وهكذا. فالعالم وارث، فإما أن يصدق في وراثته ويبيع نفسه لله، أو يبيع نفسه للشيطان، وله الخيار. يقول تعالى: "لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..".  

Facebook Comments