ليس بكوارث القطارات فقط.. مصر ترجع للخلف

- ‎فيتقارير

جاءت حادثة قطار محطة مصر، أمس، والتي ما زال عدد ضحاياها غير معلوم حتى الآن، إثر سياسات التغطية الإعلامية والقمع لمن يتحدث أو يتكلم عنها من غير إعلاميي الحظيرة الانقلابية، الذين رفعوا شعارات “ليس في الإمكان أبدع مما كان”، وأن السيسي لن يقود السيارات أو ينظم الشوارع، وأن الميراث ثقيل، متناسين ما كانوا يرددونه بعهد الرئيس المنتخب، موجهين كلامهم الساقط إليه “لو مش قد الشيلة متشلهاش يا دكتور مرسي”!.

وكشف الحريق الذي أودى بحياة أكثر من 30 مصريًا وإصابة العشرات، عن حجم الكارثة الأكبر التي تعيشها البنية التحتية، من انهيار وتآكل، وسط إصرار كبير من عساكر الانقلاب على عدم توجيه أموال الشعب التي يحصّلونها من الضرائب والرسوم العامة، إلى الخدمات التي يستخدمها البسطاء والغلابة، بنص تصريحات قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي بأن “استثمار 10 مليارات جنيه في البنوك أفيد من إنفاقها على تطوير السكك الحديد المتآكلة!”.

أموال المصريين فين؟

وما يطرحه العقل والمنطق في اللحظة الراهنة: أين تذهب أموال المصريين إذن؟ ولعل الحديث بلغة الأرقام أكثر إيضاحًا.

– 140 مليار جنيه تكلفة إنشاء تفريعة قناة السويس، وهذا المبلغ أُنفق على شق التفريعة الثالثة لقناة السويس، والتي اعترف السيسي نفسه بعدم جدواها الاقتصادية، مؤكدا أنها كانت لرفع الروح المعنوية للمصريين.

– 20 مليار جنيه لصالح إنشاء القطار الكهربائي بالعاصمة الإدارية، وهو الذي يصب في صالح خدمات الأغنياء والمستثمرين ليعيشوا برفاهية، فيما قطارات المصريين لا تستحق أن توجه إليها أية مبالغ إلا من جيوب الفقراء عبر رفع التذاكر.

– مليار جنيه تكلفة إنشاء فندق الماسة بالعاصمة الإدارية، وهو مبلغ يخصص للأغنياء وعلية القوم، من جيوب الشعب في عاصمة الفنكوش والترف، فيما للشعب التقشف.

النهر الأخضر

– 10 مليارات جنيه تكلفة إنشاء النهر الأخضر بالعاصمة الإدارية، وهو لزيادة الإبهار والبذخ  من جيوب الشعب، وكان المشروع المخصص لسكن وعمل الأثرياء أولوية قومية، فيما المستشفيات غارقة في الإهمال ونقص الإمكانيات، والمدارس تعج بالتكدس وقلة أعدادها.

علاوة على 10 مليارات جنيه تكلفة بناء أطول مبنى فى إفريقيا، ومليار جنيه تكلفة إنشاء مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الإدارية، و550 مليون جنيه تكلفة تركيب كاميرات مراقبة فى العاصمة الإدارية، بجانب بناء 20 سجنا، آخرها سجن ليمان جمصة بتكلفة 750 مليون جنيه.

فيما تبتلع صفقات السلاح خلال 5 سنوات نحو 150 مليار جنيه من أموال المصريين، بلا فائدة سوى شراء الشرعية للمنقلب السيسي، الذي حوّل مصر لأكبر مستورد للسلاح في الشرق الأوسط، وأفادت التقارير الدولية بأن الأسلحة المستوردة لمصر مُتخلّفة عما لدى القوى الإقليمية إسرائيل وتركيا وإيران.

ولعل الإسراف الأكبر كان في تكلفة مؤتمرات السيسي خلال 5 سنوات بحوالي 90 مليون جنيه، والتي جاءت للترويج للانقلاب العسكري ورؤى الانقلابيين لعسكرة المجتمع.

مصر تعود للخلف

وفي مطالعة دورية لخبراء مركز كارنيجي للدراسات والسلام في الشرق الأوسط، دقوا ناقوس الخطر من الوضع المتردي في مصر، مؤكدين أن الأوضاع زادت سوءًا، ولم تشهدها القاهرة منذ عام 1952 حينما بدأ حكم الجيش، حيث تُدفع مصر دفعًا إلى حافة الهاوية والحنين لما قبل ثماني سنوات.

وقالت دينا الخواجة، مديرة معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة في الجامعة الأمريكية في بيروت: إن البلاد تتخبّط الآن في وضع أسوأ بكثير من الذي كان سائدا في العام 2011، فقد تراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بشكلٍ كبير، وخفّضت الحكومة قيمة العملة على نحو غير مسبوق، واتّسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء (أو بين الطبقات الاجتماعية) بما لا يُقاس.

وأضافت أنه لا يغفل عن بال أحد أنه في فترة عقد الغضب في مصر بين 2000 و2010، كان المواطنون يتمتعون بهامش أكبر من الحقوق المدنية والسياسية، رغم القبضة الحديدية التي فرضتها القوات الأمنية على المعارضين السياسيين للنظام، ولكن مع ذلك احترم نظام مبارك صورته العامة على المستوى الدولي، وتقيّد، وإن شكلياً، بالقانون الدولي ومبادئ الحوكمة، من خلال إجراء الانتخابات الرئاسية، وغياب المحاكمات العسكرية، ووجود عملية واضحة للتعديلات الدستورية، واحترام السيادة القضائية.

وأشارت الخواجة إلى أنه “لسوء الحظ، لا ينطبق ذلك على الواقع المصري اليوم، ويلوح في الأفق خوفٌ من فرض المزيد من الإجراءات السلطوية”، موضحة أنه بعد ثمانية أعوام على تنحية حسني مبارك، فإن معظم المصريين مشتاقون إلى عهده، وهذا لا يعني أن أغلبيتهم يؤيّدون عودته إلى سُدة الرئاسة، أو أن المشاعر المضادة للثورة تكتسح الشارع المصري، بل إن السخط الشعبي الذي ألهب المظاهرات التي أطاحت به قد همد مع الوقت لتحلّ مكانه أشكال جديدة من الإحباط.

وبجانب الكبت السياسي، تراجع الوضع الاقتصادي ومعه تقطّعت سبل عيش ملايين المصريين ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة، نتيجة قرار الحكومة خفض قيمة الجنيه في نوفمبر 2016، كما أُغلق المجال السياسي بالكامل، خلافا لما كان عليه في عهد مبارك حين كان ثمة هامش، وإن كان محدودا، للنشاط السياسي.

ووفقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة زغبي للخدمات البحثية، في ديسمبر 2018، يعتقد 64 في المئة من المصريين أن بلادهم، في ظل عبد الفتاح السيسي، باتت أسوأ مما كانت عليه قبل خمسة أعوام، فيما أعرب 59 في المئة منهم عن عدم ثقتهم بالمؤسسة العسكرية.