فضائح متتالية تتكشف يوميا أمام الشعب، تكشف طبيعة ومعدن قائد الانقلاب و"صهيونيته" وتفضح تفريط السيسي في سيادة مصر، وتعريه تماما، بداية من تفريغ مدن سيناء رفح والشيخ زويد لصالح الأمن الصهيوني، والتنازل عن تيران وصنافير، وفتح أجواء سيناء ليعربد فوقها الصهاينة.

إلا أن الفضائح الأخيرة التي كشفتها صحيفة "هآرتس" على مدار يومين (الأحد والاثنين) ذهبت أبعد من ذلك، ولم تكشف فقط أنه التقي سرا برئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو نوفمبر 2015، وكذب بقوله إنه أجرى "مكالمة هاتفية"، ولكنها أظهرت أن الجنرال تنازل عن حل الدولتين وقبل "يهودية الدولة العبرية"، مقابل حماية نظامه بتوفير "الرز" اللازم له للوقوف على قدميه.

 

تنازلات السيسي المتعاقبة تكشف سر هذه التنازلات وهي أن بقاءه علي رأس السلطة التي اغتصبها بقوة السلاح وشرعيته مرتبطة بالخارج، وأنه يخشى سقوطه ويتصور أن الصهاينة والأمريكان سينقذونه، ولا يملك في مواجهة هذا المصير إلا أن يكون صهيونيا.

 

فهو يفتقد "الشرعية" الشعبية والسياسية، ويبحث عما يعوضها بالارتماء في أحضان الصهاينة والأمريكان وتقديم التنازل تلو الآخر.

 

ويستغل نتنياهو ذلك السقوط المدوي للجنرال وتخليه عما كان يعتبر خطوطا حمراء في السياسة المصرية سابقا، في مزيد من الابتزاز، حتى أن مسئولين صهاينة تحدثوا عن شعوره بالقلق من إبعاده عن السلطة وطالبوا باستغلال ذلك للحصول على أقصى مكسب ممكن مؤكدين أنه "لن يبقي في منصبه".

 

بيع أراض فلسطين بعد سيناء

 

القصة الأخيرة التي كشفتها صحيفة "هآرتس" العبرية، على جزئيين، كشفت في الجزء الاول أمس الاحد أن السيسي قدم جملة تنازلات جديدة لنتنياهو رفضها الأخير، منها اعترافه بيهودية دولة إسرائيل، وحديثه مع ملك الأردن –باسم العرب – عن ترتيبات وتحالفات مع الدولة الصهيونية. 

 

وفي الجزء الثاني من قصتها عن القمة الرباعية في العقبة (بين السيسي ونتنياهو وعبد الله وكيري) اليوم الاثنين، كشفت أن خطة نتنياهو التي قبلها السيسي "ضد حل الدولتين"، حيث عرض اعتراف أميركي وعربي بمستوطنات الضفة الغربية ضمن ما اسماه "مبادرة سلام إقليمية" لا تقوم على انشاء دولة فلسطينية.

 

"هآرتس" كشفت أن تنازلات السيسي لإسرائيل بلا أي مقابل، وان الامر مرتبط بخطط تشكيل تحالف اقليمي مصري اسرائيلي خليجي بدعوي مواجهة إيران، ولكنها لم تذكر أن الهدف منه دعم أنظمة السيسي وعبد الله والخليج.

 

ونقلت "هآرتس" عن مصدر إسرائيلي وموظف رفيع المستوى في الإدارة الأميركية السابقة، قولهما "إن نتنياهو طالب بامتيازات لإسرائيل" خلال القمة مع السيسي، تتعلق بالتعاون الأمني مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية، ومنع دعاوي مقاطعة اسرائيل في المنظمات الدولية.

 

ويكشف توقيت الكشف عن هذا اللقاء السري والتنازلات التي قدمت فيه، في وقت يجري فيه الحديث عن تحالف إقليمي مصري إسرائيلي خليجي أمريكي على غرار "الناتو" لحماية الانظمة المشاركة فيه.

 

وهو ما يشير إلى أن السيسي انتقل من بيع اراضي سيناء، الي بيع أراضي فلسطين نفسها، بحثا عن رضاء صهيوني – من ثم أمريكي – عليه، يحمي نظامه ويسبغ عليه شرعية دولية في وقت تتأكل فيه مصداقيته في الداخل وتتحدث تقارير اجنبية عن ثورة جديدة قادمه عليه. 

 

تنازلات بالجملة وإحراجات بالجملة

 

الغريب أنه كلما أمعن السيسي في تقديم تنازلات بالجملة قوبل بإحراجات بالجملة من جانب صديقه نتنياهو، بصورة لفتت أنظار الصحف والمحللين الصهاينة ودعتهم لمطالبة نتنياهو وحكومته بعدم أحرج السيسي أمام شعبه وكشف عمالته لتل ابيب

 

فحينما فضح وزير الطاقة الإسرائيلي "يوفال شتاينتس" فبراير الماضي تعاون السيسي مع إسرائيل ضد غزة بالاستجابة لطلب اسرائيلي بإغراق أنفاق قطاع غزة نزولا على طلب إسرائيل"، انتقدته صحف اسرائيلية مشيره إلى أن "التنسيق الأمني بين تل أبيب والقاهرة "أفضل من أي وقت مضى".

 

وعندما فضح جنرال صهيوني السيسي في حوار مع موقع "بلومبرج" يوليه 2016 كاشفا ان قائد الانقلاب وافق على مطلب إسرائيلي آخر هو السماح لطائرات الاحتلال بالعربدة فوق سيناء وقصف ما تشاء، ما أدى إلى قتل عشرات الأبرياء آخرهم سقوط 9 قتلى ومصاب، من بينهم طفل يدعى أحمد غانم، من قبيلة السواركة، في رفح عقب قصف طائرة اسرائيلية بدون طيار، يوم 20 يناير الماضي، عادت صحف ومحللون صهاينة لانتقاد الكشف عن هذه الفضيحة الجديدة.

 

ولم يتوقع نتنياهو نفسه في فضح المجلس العسكري السابق بأكمله حين كشف في نوفمبر 2016 أن "إسرائيل هددت مصر بإرسال قوات من الجيش الإسرائيلي إلى القاهرة في أعقاب مهاجمة متظاهرين السفارة الإسرائيلية ومحاصرتها".

 

وجاءت فضيحة لقائه مع نتنياهو التي اعترف بها إعلامي  السلطة "عمرو اديب"، ولم ينفيها بيان الرئاسة، لتدفع الإعلام الصهيوني هذه المرة لتوبيخ نتنياهو بقسوة "لرفضه هذه الفرصة وتنازلات السيسي وملك الأردن في لقاء العقبة السري".

 

حتي أن زعيم المعارضة "إسحاق هارتسوج" انتقد نتنياهو لـ "إهداره الفرصة" وقال في تغريده بحسابه على موقع "تويتر": "سوف يحاكمك التاريخ بالتأكيد على حجم الفرصة وحكم الخسارة"!.

 

 نكسة 2017 بعد 1967

 

وكان ملفتا حديث بعضهم عن تلهف السيسي للقاء نتنياهو وتقديمه قرابين لعقد هذا اللقاء أبرزها رؤيته الغريبة التي طرحها في في خطابته الرسمية (17 مايو 2016) وعرض فيها رعاية التطبيع السعودي والخليجي مع الصهاينة، بالحديث عن "توسيع السلام".

 

أما لماذا التقاه سرا، وماذا دبروا للشعب المصري وهل كان هذا هو اللقاء الوحيد بعدما أصبح الشعب المصري لا يعرف اخبار بلاده سوي من الصهاينة كما كان يحدث في نكسة 67 في ظل اكاذيب النظام الحاكم وتعمده اخفاء لقاءاته السرية.

 

ولكن المؤكد أن الامر مرتبط بمجيء حكومة ترامب المتطرفة، وما كشفه تقرير صحيفة "وول ستريت جورنال" الاخير عن أن إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب تسعي لإنشاء تحالف عسكري عربي أمريكي وأنها طلبت من مصر استضافة قوة عربية مشتركة لمكافحة النفوذ الإيراني.

 

وأن التحالف سيضم "حلفاء أمريكا العرب" وهم السعودية، الامارات، مصر والأردن بهدف القيام بعمليات مخابراتية مشتركة مع إسرائيل لمساعدتهم "في مواجهة عدوهم المشترك إيران"، بحسب قول الصحيفة.

 

شرعية نظام السيسي قامت منذ بداية انقلابه على خداع الشعب، وطلب الدعم الخارجي، ومع اكتشاف الشعب أكاذيبه وصهيونيته، لم يتبق له سوي تعزيز علاقته بالخارج كما كان يفعل سلفه المخلوع مبارك، لتعزيز هذه الشرعية.

 

ولأن تل ابيب هي بوابة ترامب وأي إدارة امريكية وهي التي دافعت عن نظامه وساندته وضغط علي ادارة اوباما السابق لاستئناف المساعدات العسكرية ودعم السيسي، فمن الطبيعي أن يقدم لها السيسي فروض الولاء والطاعة والتنازلات ويجري لقاءات سرية مع قادتها في صورة تعكس احتقاره للشعب أكثر من التجاهل.  

Facebook Comments