سلَّطت واقعة خفض البنك المركزي لسعر الفائدة واحتفاء أبواق العسكر بتلك الخطوة باعتبارها انتصارًا اقتصاديًّا كبيرًا، الضوء على وقائع أخرى شبيهة بنفس الموقف، إذ تبدأ بالاحتفاء وتنتهي بالاختفاء.
وعلى غرار التطبيل دون حدود لقرار خفض الفائدة الذي صدر الأسبوع الماضي، هلّل إعلام العسكر قبل 4 سنوات للمؤتمر الاقتصادي، وخرجوا على المصريين بأرقام وهمية من استثمارات واتفاقيات، بما يخالف الواقع، وذلك ما أظهرته التقارير.
وفشل العسكر بقيادة الجنرال الفاشل عبد الفتاح السيسي في الحفاظ على معدلات الاستثمار، بل إن الشركات بدأت في الهروب، وهو ما أظهرته عدة تقارير عالمية.
وكشف تقرير الاستثمار العالمي الصادر عن منظمة UNCTAD التابع للأمم المتحدة، عن أن تدفقات الاستثمار الأجنبي للخارج من مصر خلال العام الماضي بلغت 324 مليون دولار، ما يعادل نحو 5.5 مليار جنيه، بارتفاع نسبته تصل إلى 63% عن العام قبل الماضي، والذي بلغت فيه قيمة الاستثمارات الخارجة من مصر نحو 199 مليون دولار.
وسلَّطت تلك المعدلات الضوء على الزيادة المستمرة في معدلات خروج الاستثمارات الأجنبية من مصر عامًا بعد الآخر لأسباب داخلية، أبرزها الأزمات التي يعاني من الاقتصاد المصري تحت حكم العسكر، وأخرى خارجية على رأسها مشكلات الأسواق الناشئة والتحديات التي تواجه تدفق السيولة إليها.
وفي واقعة أخرى هلل إعلام العسكر لتفريعة قناة السويس، والتي جاءت في وقت تؤكد فيه كافة التقارير أن هناك ركودًا كبيرًا ينتظر التجارة العالمية.
والأسبوع الماضي نشرت وكالة رويترز تقريرًا، سلطت فيه الضوء على مصير ودائع شهادات قناة السويس التي نصب من خلالها العسكر على المصريين، وذلك عبر منحهم فوائد 12% على 5 سنوات رفعت إلى 15.5% بنهاية 2016، إلا أن آثار التعويم قضت عليها تمامًا.
واعتمد العسكر على البنوك فى تمويل احتياجات هيئة قناة السويس التمويلية، بالتزامن مع شق التفريعة التي افتتحها قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي قبل 4 أعوام.
وتأخرت هيئة قناة السويس عن سداد 450 مليون دولار، تمثل ثلاثة أقساط تستحق فى ديسمبر 2017، ويونيه 2018، وديسمبر 2018، ووافقت البنوك الدائنة، فى إطار البروتوكول، على ترحيل مواعيد استحقاق الأقساط المستحقة على الهيئة لمدة عامين.
وفي تقرير آخر يؤكد قتامة التجارة في الفترة المقبلة ما سيضُر بالحركة في قناة السويس، قال بنك جولدمان ساكس: إن المخاوف تتزايد من أن تؤدي الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى ركود، وإن البنك لم يعد يتوقع التوصل لاتفاق تجاري بين أكبر اقتصادين في العالم قبل الانتخابات الرئيسية الأمريكية في 2020.
وهلل إعلام السيسي لعاصمة الأغنياء والتي تعاني هي الأخرى من أزمات كبيرة، بدءا من ضعف الاستثمارات الأجنبية بها، وحتى الأزمات التمويلية التي ضربتها.
وفشل العسكر منذ الوهلة الأولى للإعلان عن المشروع في إقناع كفيله الإماراتي بمساندته، فخرجت الشركات الإماراتية واحدة تلو الأخرى، مما وضع الجنرالات في مأزق خلال الأشهر الأولى من المشروع الذي دخل عامه الثالث، دون أي جديد يذكر باستثناء ضخ مليارات الجنيهات في بناء منشآت حكومية بهدف انتقال الوزارات إليها، وهو ما تأجل عدة مرات هو الآخر.
وقبل أسبوعين، كشف تقرير نشرته صحيفة الشروق عن عزم شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية توريق جزء من محفظة عقود الأراضي التي أبرمتها مع الشركات، بقيمة تتراوح ما بين 10 إلى 15 مليار جنيه، مشيرا إلى أن شركة العاصمة الإدارية ما زالت في المباحثات الأولية لدراسة طرح سندات التوريق مع البنوك الحكومية الكبرى، وتحديد القيمة السوقية للسندات من جانب البنك المركزي.
وقالت وكالة رويترز، في تقرير لها، إن المشروع الذي تقدر تكلفته بحوالي 58 مليار دولار يكابد لجمع التمويل وللتغلب على تحديات أخرى بعد انسحاب مستثمرين من المشاركة فيه، حيث فقد المشروع مستثمرًا رئيسيًّا من الإمارات، وتديره حاليًا شركة مشتركة من وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
وقبل يومين قال الكاتب الاقتصادي في صحيفة العربي الجديد مصطفى عبد السلام: "ليس بالأمنيات وحدها تحيا الأمم، وليس بالدعاية المبالغ فيها والبروباجندا وخفض أسعار الفائدة تنتعش الاقتصادات وتحيا الاستثمارات وتسترد العملات الوطنية عافيتها".
وتابع أنه "يوم الخميس الماضي، خفّض البنك المركزي المصري سعر الفائدة بنسبة 1.5%.. خبر عادي تكرر مرات عديدة خلال الأيام الماضية، فقد خفضت البنوك المركزية في الولايات المتحدة والصين وتركيا وقطر والسعودية والإمارات والبحرين والأردن وغيرها أسعار الفائدة بنسب مختلفة، بل وبنسب قد تزيد كثيراً عن المعدل المصري.
لكن خفض البنك المركزي المصري سعر الفائدة تحوّل في الإعلام المصري إلى "فتح مبين" ومعجزة ستحل كل مشكلات الاقتصاد القومي من ركود وديون وعجز مالي وبطالة وقفزات في الأسعار، حيث توسّع الإعلام بشكل مبالغ فيه في سرد مزايا الخفض.
وأضاف أن خفض سعر الفائدة حسب وسائل الإعلام والمحللين الذين تنقل عنهم "ينعش الاقتصاد ويجذب الاستثمارات والأموال من الخارج ويعيد الهارب منها، ويرفع معنويات المستثمرين، ويقضي على الركود في الأسواق التجارية والقطاعات الأخرى، ويرفع الطلب على العقارات، ويزيد القدرة الشرائية في الأسواق، وبالتالي يزيد الطلب على السلع، ويرفع مبيعات المصانع والإنتاج"، وهو أمر لا تراه إلا في مصر.