مأزق جديد تحاول سلطة الانقلاب العسكري الخروج منه، بعدما كشفت تقارير رسمية مسربة عن اعتذار مئات القضاة من الإشراف على “التعديلات الدستورية”، والتي انطلقت قبل ساعات ولمدة 3 أيام، للتمهيد لبقاء المنقلب السيسي ديكتاتورًا على مصر حتى 2030.

وانتقد قضاة ومشرعون مصريون موقف الهيئات القضائية في مصر من قضية تعديلات مواد الدستور التى أقرها مجلس النواب، والتى تعلقت بتمديد فترة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، وبدور جديد للقوات المسلحة فيما يسمى بحماية وصون الدستور والديمقراطية.

فضلًا عن تضمن التعديلات استحداث ستة أحكام جديدة تخص السلطة القضائية، مثل إلغاء الموازنات المستقلة للجهات والهيئات القضائية، ومنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية، بما فيها المحكمة الدستورية العليا، إلى جانب اختيار النائب العام.

بالإضافة إلى تضمن إنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات برئاسة رئيس الجمهورية؛ للنظر في شروط تعيينات وترقيات وندب القضاة، وإلغاء سلطة مجلس الدولة في مراجعة مشروعات العقود التي تكون الدولة أو إحدى هيئاتها طرفًا فيها، وقصر سلطته في مراجعة وصياغة مشروعات القوانين التي تُحال إليه فقط.

هدم الاستقلال

كان أول تحرك من القضاة ضد التعديلات الدستورية التي كان يناقشها برلمان الانقلاب وقتها أن وجه نادي قضاة مجلس الدولة رسالة شديدة اللهجة لرئيس مجلس النواب علي عبدالعال، تتهم التعديلات بأنها تقضي على “ما تبقى للقضاء من استقلال، وتحيله مزعا مزقا، ومرفقا تديره السلطة التنفيذية”.

المذكرة، التي نشرها موقع “المشهد” آنذاك، موقعة من المستشار سمير يوسف البهي، رئيس النادي، بتاريخ الخميس 28 مارس 2019، وذيلت بكلمة “رسالة غضب”؛ شرحت كيف أسرفت المقترحات عن هدم استقلال القضاء وأفرطت بالنيل منه.

وشدد قضاة مجلس الدولة على أن “تعديل الدستور يجب أن ينطلق من ضرورة اجتماعية وسياسية وقانونية، التي تمثل قيدا على تعديله، وتستهدف مسايرة تطورات وأحداث استجدت بعد نفاده، أو معالجة مثالب أفرزها واقع تطبيقه، بغية كفالة العيش الكريم للمواطن، ومزيد من الضمانات الأساسية للحريات، وكفالة أداء المؤسسات الدستورية دورها تحقيقا لأهدافها، وإلا غابت كل حكمة من وراء التعديل، وأضحى دون هدف مشروع”.

حيل للهروب من الاعتذارات

من جانبهم، وضع العسكر خطة لتلافي المشكلات المتوقعة خلال أيام الاستفتاء الثلاث (السبت –الأحد- الإثنين) على التعديلات الدستورية. وقالت مصادر في الهيئة الوطنية للانتخابات، المشرفة على إجراء الاستفتاء، إنّ إدارتي مجلس الدولة ومجلس القضاء الأعلى، أبلغتا منذ أيام عدة بتلقيهما مئات الاعتذارات من قضاة مجلس الدولة والاستئناف والمحاكم الابتدائية عن الإشراف على الاستفتاء، وذلك بصورة غير مسبوقة منذ استفتاء دستور 2012، في استجابة متوسطة لدعوات المقاطعة المتداولة على مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضافت المصادر أنّ الهيئة، وللتغلّب على دعوات المقاطعة هذه، وضعت خطة من 3 محاور وبدأت في تنفيذها بالفعل. أول محاور الخطة هو زيادة المقابل المالي للقاضي المشرف، حيث سيتم تخصيص مبلغ 15 ألف جنيه لكل قاض في اللجان العامة، و14 ألف جنيه لكل قاض في اللجان الفرعية. أي أنّ بند بدلات القضاة فقط، سيكلف ميزانية الدولة نحو 220 مليون جنيه في هذا الاستفتاء، لأكثر من 15 ألف قاض يشاركون في الإشراف عليه. علماً بأن أكبر بدل تقاضاه القضاة في السابق كان 7 آلاف جنيه في انتخابات الرئاسة الأخيرة.

دساتير الديكتاتوريات العسكرية

بدروه، قال مصدر قضائي إن التعديلات جعلت الدستور الجديد من نوعية دساتير الديكتاتوريات العسكرية، وإن تلك التعديلات تكتب كلمة النهاية في معركة استقلال القضاء.

ونقل موقع “مدى مصر”، عن أحد نواب رئيس مجلس الدولة– دون الكشف عن اسمه– قوله: “الفترة الحالية هي عنوان لدسترة الديكتاتورية، واللي مش عاجبه يشوفلُه حتة تانية”، معتبرًا أن تعديل الدستور “يُعيد مصر لأيام أسوأ من أيام المندوب السامي البريطاني.

ورأى أن التعديلات المقترحة “تجعل الدستور الجديد من نوعية دساتير الديكتاتوريات العسكرية، على غرار دستور بوكاسا ديكتاتور إفريقيا الوسطى وعيدي أمين ديكتاتور أوغندا.

دمج اللجان

فى حين جاءت الحيلة الثانية وهى دمج اللجان، مع زيادة عدد أيام الاقتراع إلى ثلاثة. إذ خفضت الهيئة عدد اللجان الإجمالي على مستوى الجمهورية إلى 13 ألفاً و919 لجنة فرعية فقط، مع مضاعفة عدد الناخبين في كل لجنة، ليصل إلى أكثر من 4 آلاف ناخب في المتوسط. وهو ما اقتضى بطبيعة الحال، زيادة عدد الموظفين الذين يساعدون القضاة في إدارة اللجان إلى نحو 120 ألف موظف، سيحصلون على مكافآت متفاوتة القيمة، تبدأ من 500 جنيه وتصل إلى 1500 جنيه، بحسب أقدميتهم والجهات التي ينتمون إليها.

الترهيب

أما المحور الثالث من الخطة، والمتمثل في الشقّ الأمني والاستخباراتي والرقابي، إذ تمّ التنبيه على جميع القضاة قبل توزيع أوراق الاقتراع عليهم، بضرورة الالتزام بالمشاركة، مع التهديد باتباع إجراءات قاسية مع المعتذرين والمقاطعين لأسباب غير المرض وظروف الأسرة، بموجب مستندات رسمية تُقدّم لإدارة الهيئة القضائية.

أحد القضاة وهو نائب رئيس مجلس الدولة، اعتبر أن التعديلات التى تمت هي “نتيجة طبيعية للأحداث التي شهدتها البلاد خلال الفترة الرئاسية الأولى للسيسي، سواء بتمرير اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية رغم إبطالها من القضاء، أو بإقرار قانون الهيئات القضائية رغما عن اعتراضات القضاة”.

وأكد أن “الدستور الحالي لم تُصن في ظله أرض ولا كرامة، لكنه يرسخ لانتقال سلمي للسلطة، وتنظيم قواعد الفصل بين السلطات”، وشدد على “ضرورة تحرك القضاة لوقف تمرير التعديلات”.

المستشار محمد أمين المهدي، وزير العدالة الانتقالية الأسبق، ورئيس مجلس الدولة الأسبق، قال إن الهدف الأول من التعديلات التي تمت أيضا هو إزالة أية عقبات أو قيود تمنع استمرار السيسي في السلطة بعد انتهاء مدته الحالية، ومن ثم فالتعديلات المصاحبة لمادة مدة الرئاسة في الدستور هي مجرد تفاصيل هدفها لفت الأنظار، وفتح نقاش وجدل حول موضوعات فرعية”.

فيسبوك