رمضان بجانب كونه شهرًا للعبادة والاجتهاد فى طاعة الله بالعمل الصالح والتصدق والقرب من الناس، يعد فى مصر موسمًا للتجارة والبيع والشراء، حيث تظهر الكثير من المهن والأنشطة التى تعمل فى هذا الشهر، مثل ياميش رمضان والكنافة وزينة رمضان، وغيرها من المستلزمات الرمضانية، كما أن أسواق السلع الغذائية والخضراوات والفواكه والملابس تنشط بصورة كبيرة مقارنة بشهور السنة الأخرى.
لكن شهر رمضان افتقد الكثير مما اعتاد عليه المصريون هذا العام؛ بسبب الإجراءات الوقائية والاحترازية التى فرضت لمواجهة فيروس كورونا، وبسبب سياسات التقشف التى يمليها صندوق النقد الدولى على نظام الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، والتي أدت إلى ركود فى الأسواق بسبب عدم الإقبال على الشراء؛ نتيجة تراجع الدخول وتسريح العمالة فى الكثير من الشركات الخاصة.
وهكذا تحول الشهر الكريم إلى "وقف حال" بالنسبة للتجار والصناع، وهو ما انعكس على تزايد أعداد الفقراء فى مصر، حيث أصبح أكثر من 60% من إجمالى السكان يعيشون تحت خط الفقر بحسب بيانات البنك الدولي .
بلد مواسم
حول شهر رمضان وحركة التجارة والأسواق فيه، يقول الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي، إن مصر معروفة منذ زمن بأنها بلد المواسم، فمثلا موسم جني القطن كان مرتبطا بالزيجات والأفراح في الريف، وفي بلاد أخرى يكون موسم المشمش والقمح وغيرهما .
وأضاف عبد المطلب، فى تصريحات صحفية، "في المدينة هناك العديد من المواسم، مثل موسم المولد النبوي، الذي تنشط فيه صناعة وتزيين حلوى المولد بمختلف أنواعها، وتعمل المصانع والعمالة المحترفة في صناعتها لشهور طويلة للإعداد لهذا الموسم، مؤكدا أن مثل هذه المنتجات هي مصدر دخل رئيس للكثير من الأسر المصرية" .
وأشار إلى أنّ موسم رمضان تنشط فيه حركة البيع والشراء، وهناك صناعات صغيرة مشتركة بين المدينة والقرية كصناعة الكنافة والقطايف، والمخللات، كذلك زينة رمضان والفوانيس التي تعد موسما رائجا لها، وتصنع في الورش الصغيرة، وكذلك كسوة الشتاء والصيف، وما يرتبط بها من مصانع .
وأوضح عبد المطلب أن الأطعمة والمشروبات المتعددة تنتشر في القرى والمدن بشكل كبير، ويعمل بها عدد غير قليل، وتفتح الكثير من البيوت، فحتى فول السحور له مذاق وطعم خاص في رمضان دون السنة، رغم أنه وجبة فطور رئيسية للمصريين .
وأكد عبد المطلب أن كل هذه الأنشطة تراجعت فى السنوات الأخيرة، وتزايد تراجعها هذا العام بسبب جائحة كورونا وما فرضته من إجراءات توقفت معها الكثير من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية .
خسائر كبيرة
وكشف رجب العطار، رئيس شعبة العطارة بغرفة القاهرة التجارية، عن وجود ركود كبير في بيع الياميش والمكسرات، مشيرا إلى أن جميع البضائع المستوردة ما زالت في مخازن وثلاجات التجار ولم تتحرك الأسواق لبيعها، متوقعا خسائر فادحة لبعض التجار.
وقال العطار، في تصريحات صحفية، إن فاتورة استيراد ياميش رمضان أقل من العام الماضي الذي سجل40 مليون دولار، مشيرا إلى أن جميع أنواع المكسرات تم استيرادها ودخلت الأسواق قبل أزمة كورونا، حيث إن التعاقد على هذه السلع يتم قبل شهر رمضان بـ6 أشهر سابقة.
وأضاف: رغم ذلك فإن الإقبال على الشراء ضعيف جدا، متوقعا خسائر كبيرة للتجار والعاملين فى مجالات العطارة عامة، والياميش ومستلزمات رمضان بصفة خاصة.
وأكد أن جميع البضائع المستوردة فى الثلاجات لدى التجار ولم تتحرك الأسواق لبيع أي منها، مما يسبب خسائر فادحة بملايين الجنيهات تعرضهم للإفلاس.
وأوضح "العطار"، أن قرار حظر التجوال وغلق المحال التجارية تسبب فى كارثة للمحال التى تبيع السلع الموسمية الخاصة بشهر رمضان، مطالبا بضرورة أن يبدأ فتح المحال التجارية من 10 صباحا حتى الـ 9 مساءً بنفس عدد ساعات الحظر حتى تستطيع المحال التجارية بيع السلع المطلوبة بين التجار وبعضها وبين التجار والمستهلكين.
وأشار إلى أن هناك الكثير من التجار يبيعون بضائعهم بالآجل لحين انتهاء الموسم، وضعف حركة البيع سيؤدى إلى إفلاس الكثير منهم.
انخفاض الطلب
وتوقع الدكتور علي عبد العزيز، الخبير الاقتصادي، مزيدا من انخفاض الطلب بالأسواق مع استمرار حظر تحرك المواطنين، وتركز إنفاق كثير من الأسر على المستلزمات الطبية وتخوفهم من مستقبل وتطورات أزمة كورونا .
وقال عبد العزيز، فى تصريحات صحفية: إن حالة الركود تلك قد تكون بسبب تعطل نسبة كبيرة من العاملين وانخفاض دخلها، وقد تكون بسبب توقف كثير من مصانع وشركات القطاع الخاص فى ظل الإجراءات الوقائية والاحترازية التى فرضتها دولة العسكر لمواجهة كورونا .
وتوقع أن تستمر الأزمة حتى يونيو المقبل، وألا تعود الأسواق لطبيعتها قبل شهر أو اثنين من انتهائها، أي فى أكتوبر المقبل على الأقل .
فوانيس رمضان
وقال بركات صفا، نائب رئيس شعبة لعب الأطفال بغرفة القاهرة التجارية، إن صناعة الفانوس تأثرت بقرارات الحظر، حيث عادة ما تبدأ صناعته قبل رمضان بنحو 3 شهور، مشيرا إلى أن المصانع والورش لم تستطع إنتاج الكميات التى كانت تنتجها فى السنوات الماضية من فانوس رمضان .
وأضاف "صفا"، فى تصريحات صحفية، أن إجمالي الإنتاج السنوى من الفانوس 4 ملايين قطعة، مقسمة بين المصانع والورش الصغيرة، فهناك ما يقرب من 10 مصانع كبيرة تنتج 2 مليون قطعة، وتنتج ما يقرب من 1000 ورشة فى السوق المحلية نحو 2 مليون قطعة أخرى، كما تشارك الأسر المنتجة وأصحاب الحدادة والأقمشة صناعة الفانوس إلى جانب المصانع والورش.
وأشار إلى أن استمرار أزمة كورونا ضرب سوق بيع الفانوس، خاصة وأن البيع يتم من خلال الشوادر التى يقيمها التجار فى المناطق والميادين الشعبية على مستوى كافة المحافظات خاصة القاهرة، والتى تمنعها حكومة الانقلاب تخوفا من الازدحام والتكدس وانتشار الفيروس. وتوقع صفا أن يؤدى توقف الأسواق عن البيع إلى خسائر كبيرة للمصانع والورش .