على طريقة الشيطان الذي يغوي أصحابه وأتباعه ويزين لهم ما يريده ويغويهم عن طريقهم.. وذلك بعد أن وثقوا بكلامه المعسول وقت أزمته، حينما أراد تمويل مشروع ترعة قناة السويس الثالثة، حيث رفع أسعار الفائدة بالبنوك وقدم شهادات استثمار بنكية بعوائد عالية، مكنته من جمع نحو 100 مليار جنيه من مدخرات المصريين الراغبين في الحصول على أي دعم لرواتبهم ومعاشاتهم المنهارة أساسا؛ لتعينهم على نوائب الحياة.
وبعد أن حقق السيسي ما يريد، نكص على عقبيه، وقام بتخفيض أسعار الفوائد البنكية، بدعاوى العمل على تخفيض التضخم ومواجهة الانكماش الاقتصادي.
ومؤخرا، تزايدت معاناة المواطنين بسبب استمرار خفض أسعار الفائدة على شهادات الادخار من 20% إلى أقل من 12.5%. ومن أبرز من يعاني نتيجة سياسات البنك المركزي الذي يقوده طارق عامر بإشراف وتوجيهات السيسي، نحو 11 مليون شخص يتقاضون معاشات حكومية، ومعظمهم لا يملك مصادر أخرى للدخل، باستثناء من يتحصلون على فوائد مدخراتهم.
وقبل أيام، أعلن عدد من البنوك الحكومية إلغاء شهادات الادخار ذات العوائد المرتفعة ذات عائد الـ15%، والتي كانت تمنح أعلى عائد في مصر.
ونشرت "بي بي سي" تقريرا أشارت فيه إلى تأكيد أحد المواطنين أن عوائد مكافأة نهاية خدمته التي قام بإيداعها كشهادة ادخار بأحد البنوك الحكومية كانت تساعده على مواجهة أعباء المعيشة، وقال إن "شهادات الـ20% كانت توفر ريعا ليس سيئا، يمكّنني من مواجهة تكاليف الحياة المتزايدة كل يوم. بعدما توقفت تلك الشهادات، قمت العام الماضي بشراء شهادة جديدة بعائد 17%، واستطعت التكيف مع النقص الذي تبع هذا العائد المنخفض، لكن الشهادة ستنتهي العام القادم ولا أعلم كيف سأتعامل حين ذاك".
مؤشرات مضللة
ويتابع: "الحكومة تقول إن الاقتصاد في تقدُّم، ويخرج علينا المسؤولون دائما بأرقم مبشرة. لكنني لا أرى أيا من هذه المؤشرات في المحلات التي أشتري منها لوازم المنزل، ولا أراها في مصاريف مدرسة طفلي، وكل ما أراه هو أسعار متزايدة وضرائب جديدة كل يوم".
والشهر الماضي، أعلن البنك المركزي تقليص أسعار الفائدة لتصبح 9.75% للإقراض، و8.75% للإيداع، لتصبح هذه هي المرة الثانية عشرة التي حرك فيها المركزي سعر الفائدة منذ تحرير سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر عام 2016.
ويرى الخبير الاقتصادي "مدحت نافع" أن المتضرر الأول من إلغاء هذه الشهادات وتقليل أسعار الفائدة سيكون القطاع العائلي وصغار المودعين. ويضيف أن الحلول أمام القطاع العائلي لحفظ قيمة الأموال محدودة للغاية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العقارات والذهب اللذين كانا يُعتبران أهم أوعية الاستثمار لهذا القطاع. ويؤكد المحلل الاقتصادي "علاء عبدالحليم" أن تحريك سعر الفائدة يصب في مصلحة الحكومة في المقام الأول فهي أكبر مستدين في السوق.
ويحذر خبراء اقتصاد من أن يتسبب خفض نِسب الفائدة على الإيداع والإقراض في خروج "الأموال الساخنة"وهي استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية من السوق المصرية بما قد يؤثر على الاقتصاد المصري بشكل عام.
وبحسب دراسات اقتصادية، فخفض الفائدة يوفر من 10-15 مليار جنيه للميزانية، فيما يتضرر المودعين الذين قد يلجأون إلى استثمار اموالهم مع شركاء وتجار خارج البنوك، ما قد يغذي ظاهرة المستريح، بصورة اقوى بالفترة المقبلة..
بحور العوز
وكشف السيسي بخطابه الأخير كيف أنه أغرق البلاد في الفقر ودوامة الديون والتي قد تحتاج إلى عقود للتخلص من تبعاتها. ونظرا لعدم استقرار الوضع السياسي في مصر، فقد تراجعت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة حسب بيانات النشرة الإحصائية للبنك المركزي في أغسطس 2020، حيث انتقلت من أكثر من 276 مليار جنيه (16.5 مليار دولار، حسب سعر الصرف 16.6 جنيها للدولار) في يوليو 2019، لتهبط إلى 117 مليار جنيه (10.8 مليارات دولار، حسب سعر صرف 15.8 جنيها للدولار) في يوليو 2020.
وسط ترجيحات بخروج المزيد من الاستثمارات لشعورها بحالة من عدم الأمان، وسوف يخرج الكثير منها خلال الفترة القصيرة القادمة، وسيظهر ذلك في البيانات الخاصة بشهري أكتوبر ونوفمبر من العام الحالي.
ولذلك تتحول مصر لسوق غير جاذب للاستثمارات الأجنبية، بسبب أوضاعها السياسية والأمنية. وفي ظل استمرار الحراك، فسوف يعطي ذلك مؤشرا سلبيا على وضع السوق المصري بالنسبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة. ويقدر البنك الدولي عدد الفقراء بمصر بنحو 60% بينهم نحو 80% يعانون الفقر المدقع.