من المنتظر أن تتسلم مصر الشريحة الثانية من قرض صندوق النقد الدولي المقدرة بنحو 1,6 مليار دولار، خلال الأيام المقبلة، وسط توسع وشراهة غير مسبوقة من نظام عبدالفتاح السيسي نحو الاقتراض وإصدار السندات الدولارية وأذون الخزانة؛ وهي القروض الضخمة التي لا تعود على الشغب بشيء سوى تراكم الديون التي يتحمل الشعب وحده عبء سدادها لعقود طويلة قادمة. كما يبدي النظام العسكري توحشا غير مسبوق في فرض المزيد من الرسوم والضرائب على المصريين؛ كان آخرها موافقة مجلس نواب السيسي على مشروع قانون صندوق الطوارئ الطبية، الذي يستهدف تمويل شراء الأجهزة الطبية وتقديم الخدمات الصحية بالمستشفيات، عبر رسوم جديدة على الشعب، مثل: فرض رسم بقيمة "100" جنيه على طلاب المدارس والجامعات الخاصة والأهلية والاستثمارية، وتحميل المتصلين بالتلفون المحمول مبلغ 1 قرش على الدقيقة الواحدة، ورسم بقيمة مائة جنيه عند ترخيص السيارات والدراجات البخارية، ورسم بقيمة مائة جنيه على جميع الأراضي والشقق التابعة لجهاز التعمير.

تزايد الفساد

وإزاء تزايد الفساد في استثمارات الجيش وعساكر السيسي والتي كان آخرها اتجار اللواءات والقيادات العسكرية في آثار مصر، تحت إشراف مباشر من السيسي وقيادات الجيش وأجهزة السيسي الأمنية؛ طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، صندوق النقد الدولي، برصد الوضع المالي للجيش المصري، وحجم الشركات المملوكة له، قبل صرف الشريحة الجديدة من برنامج الإقراض الحالي.
وقالت المنظمة (مقرها نيويورك)، في رسالة، وجهتها إلى المجلس التنفيذي للصندوق، مساء الاثنين 30 نوفمبر 2020م: "على صندوق النقد أن يطلب من الحكومة المصرية الكشف عن المعلومات المالية حول الشركات المملوكة للجيش، قبل صرف الشطر التالي من التمويل بموجب برنامج الإقراض الحالي". وحذرت الرسالة، من تفشي الفساد في التعاملات المالية لشركات الجيش المصري، مشيرة إلى السرية المفروضة عليها، وعدم خضوعها للرقابة المدنية.
وأكدت المنظمة، أن "الشفافية والمساءلة في الشركات المملوكة للجيش أمران أساسيان لمعالجة الفساد وسوء الإدارة اللذين يهدران الموارد العامة الثمينة، والتي يمكن استثمارها بدلا من ذلك في تأمين حقوق مثل الرعاية الصحية، والإسكان، والغذاء، والحماية الاجتماعية". وجاءت رسالة المنظمة، بعد موافقة صندوق النقد، على قرض جديد لمصر، بقيمة 5.2 مليارات دولار؛ بدعوى مواجهة جائحة "كورونا".
ولا تتوفر بيانات من جهات رقابية حكومية، بشأن حجم النشاط الاقتصادي للجيش المصري، غير أن عبدالفتاح السيسي زعم في 2016، إنه يعادل نحو 2% من حجم الاقتصاد المصري. وفي العام ذاته، أفاد تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، بأن العسكر يهيمنون على 50-60% من الاقتصاد المصري. وتحصل شركات وفنادق وأندية تابعة للجيش على مزايا تعفيها من الضرائب والجمارك، كما لا تخضع لأي رقابة، وميزانيتها خارج الموازنة العامة للدولة.
وفي مارس 2019م، كشفت مصادر دبلوماسية مصرية، عن غضب أمريكي إزاء توسع النشاط الاقتصادي للجيش بما يهدد مصالح المستثمرين الأمريكيين والغربيين بشكل عام. حيث شن أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي هجوما في اجتماعات الغرفة التجارية المشتركة في القاهرة، على بيزنس الجيش، وتحدثوا عما وصفوه بأنه "تهديدات واضحة وخسائر بالمليارات يتكبدها مستثمرون أجانب بسبب احتكار الجيش للعديد من القطاعات". تلك الإشارات التي تضمنها التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية، بشأن دور الجيش كوسيلة سياسية في يد عبدالفتاح السيسي، يتضمن رسالة لتصحيح وضعه العام وبصفة خاصة في المجال الاقتصادي.

قواعد أمريكية جديدة للتعامل

ويتبنى نواب ديمقراطيون في الكونجرس توجها يقضي بإعادة النظر في هيكلية منظومة المعونة السنوية للنظام المصري، وكذلك قواعد التفضيل المعمول بها مع الجيش المصري في صفقات استيراد الأسلحة.
ويبدي مستثمرون انزعاجا لدخول الجيش في أنشطة مدنية، ويشكون من امتيازات ضريبية وغيرها ممنوحة لشركات القوات المسلحة. وسبق أن حذر صندوق النقد الدولي، في سبتمبر 2017، من أن تطوير القطاع الخاص وخلق الوظائف "قد تعوقهما مشاركة كيانات تخضع لوزارة الدفاع".
وتخضع المشروعات التجارية التابعة للقوات المسلحة، لثلاث جهات رئيسية، هي وزارة الإنتاج الحربي التي تشرف على 20 شركة، ووزارة الدفاع ممثلة في الهيئة الهندسية التي تسيطر على العشرات، والهيئة العربية للتصنيع المملوكة للحكومة المصرية والمسؤولة عن 12 شركة على الأقل، حسب «رويترز».
وكانت دراسة «القوات المسلحة المصرية وتجديد الإمبراطورية الاقتصادية» التي نشرها معهد «كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط» في أبريل 2016، أشارت إلى أن الجيش المصري اكتسب نفوذا غير مسبوق منذ أن أشرف على الإطاحة برئيسين، في إشارة إلى المخلوع محمد حسني مبارك والرئيس الشهيد محمد مرسي الذي يعتبر أول رئيس مدني جرى انتخابه من الشعب المصري بديمقراطية حقيقية.

Facebook Comments