جاء إعلان النظام الانقلابي عن تدريس رموز اللغة الهيروغليفية بمدارس مصر مترافقا مع احتفالات نقل المومياوات الأخير. وهو نفس المشهد المتكرر في مشاريع العاصمة الإدارية ومشروع الجلالة ومشروع العلمين ومشاريع تطوير منظومة الكباري والطرق التي يزعم النظام أنها تربط مصر كدا، ثم تفاجأ المصريون بانهيارها وتحطمها عند أول نوبة أمطار، كما ابتلعت العاصممة الإدارية أموال ومدخرات المصريين ووضعتهم على منحدر الاقتراض الذي لا يرحم.
وبحسب إعلان الحكومة فإنه من المقرر تدريس رموز اللغة الهيروغليفية، بدءا من الصف الرابع الابتدائي، وذلك بعد ردود الفعل الواسعة التي أثارها حفل نقل مومياوات ملوك وملكات فراعنة إلى متحف الحضارة الجديد. وقد أثار الخبر سخرية مصريين عديدين، نظرا إلى معرفتهم بحقيقة مستوى طلاب عديدين في المدارس الحكومية، في ظل تواضع مستوى التعليم في مصر، والذي يحتل مرتبة متأخرة في مؤشر تصنيف التعليم. وكتب بعضهم شهاداتهم التي كشفت أن هناك من الطلاب في المدارس الحكومية من لا يجيد اللغة العربية من الأساس، بل وأكّد أحدهم أن بعض زملائه في الصف الأول الثانوي كانوا لا يجيدون كتابة أسمائهم! فكيف لهم أن يتعلّموا اللغة الهيروغليفية؟! كما أن تعليم تلك اللغة لن يفيد الطلاب شيئا، لأنها لن تكسبهم أي مهارات ضرورية من المطلوبة في سوق العمل، ويجب أن يقتصر تعليمها على من سيتخصّصون في الآثار والمصريات.
قرارات عبثية
إلا أن بعض الخبراء يتوقعون في الأغلب الأعم، أنه لن يتم تطبيق هذا القرار، وأنه مجرّد فرقعة إعلامية تزامنا مع "تريند" الاحتفاء بالتاريخ الفرعوني، لأنه لا يوجد أحد من المدرسين يعرف رموز الهيروغليفية، كما أن الطلاب الذين لا يجيدون العربية لن يتحوّلوا فجأة إلى فراعنة ينطقون بالهيروغليفية، لمجرّد أن وزارة التعليم أرادت ذلك! وحتى إذا طبق هذا الإجراء، وشرعت المدارس في "تعليم" الطلاب رموز تلك اللغة، فلن يعدو الأمر مجرّد إجراء شكلي لاستيفاء المظهر العام المحتفي بالفراعنة، وستتحوّل حصة "الهيروغليفي" إلى فاصل من التهريج مثل حصص الألعاب، وسيتم إنجاح الطلاب فيها بغض النظر عن أدائهم، مثلما يحدث مع مواد أخرى، ومثلما حدث عندما قال وزير التعليم، طارق شوقي، إن الطلاب الذين لم يتمكّنوا من أداء الامتحان إلكترونيا بسبب تعطل النظام (وهي قصة فشل أخرى) سيتم اعتبارهم ناجحين!

ولا يمكن تجاهل القرارات العبثية العديدة التي يعايشها المصريون بين الفينة والأخرى في مجالات التعليم وغيرها من المجالات؛ فعلى مستوى التعليم، فرضت الوزارة قبل نحو ثلاث سنوات، تشغيل نشيد الصاعقة "قالوا إيه علينا" على طلاب المدارس في بداية اليوم الدراسي. وظهرت وقتها عشرات من الفيديوهات للطلاب وهم يرقصون بطريقة مبتذلة على الأغنية، ويستهزئون بها بما لا يتناسب مع الهدف منها من جانب النظام والمؤسسة العسكرية، قبل أن يختفي الحديث عنها فجأة. كذلك فرضت وزارة الصحة تشغيل السلام الجمهوري في المستشفيات الحكومية يوميا، ويعقبه قسم الأطباء عن طريق الإذاعة الداخلية في المستشفى. وزعمت وزيرة الصحة أن هذا القرار "يعزّز من قيم الانتماء للوطن لجميع المستمعين في المستشفيات سواء للمرضى أو الأطقم الطبية"، وأكدت إصرارها عليه، وكأن الاستماع للنشيد الوطني سيكون كافيا ليشعر المواطنون بالانتماء، إذا كانوا فاقدين له! وفعلا ظهرت فيديوهات لتشغيل السلام الجمهوري في عدد من المستشفيات، قبل أن يختفي الأمر كذلك، ويطويه النسيان، وتتراجع الوزيرة نفسها عن القرار، وتؤكد أنه ليس إلزاميا.

فشل متكرر 

هناك قصص فشل أخرى أيضا، مثل الفشل في تحصيل غرامة التخلّف عن التصويت في الانتخابات، والتي يتم ترديدها كل مرة لتخويف المقاطعين ودفعهم إلى النزول للانتخاب، وهو ما لا يحدث، ولا يتم تحصيل الغرامة، وتبقى صور اللجان الانتخابية فارغة، حتى عندما وصل عدد هؤلاء المقاطعين إلى 54 مليون مواطن، قاطعوا ما تسمى "انتخابات مجلس الشيوخ" العام الماضي.
في كل تلك الإجراءات، كان واضحا عبثيتها من البداية، وعدم قدرة السلطات على فرضها على المواطنين، لأنها ليست مهمة، ولا تحقق أي شيء، بل مجرّد تفاهات فوقية، تشغل بال المسؤولين فقط بهدف الدعاية الإعلامية. ولذلك لم يهتم بها أحد، ولم يتابع أحد تنفيذها، لأنها ببساطة مستحيلة التنفيذ، وسيكون هذا مصير تجربة تعليم اللغة الهيروغليفية للطلاب.
ولا يخلو المنهج السياسي المصري من العبثية المقيتة في كل تفاصيله، ويدفع ثمنها المصريون. وليس أدل على ذلك من تدني وتراجع ترتيب مصر في سلم جودة التعليم في مراتب متأخرة عن الكثير من الدول الإفريقية والدول الهامشية، وهو ما يعبر عنه تسريب الامتحانات منذ حكم العسكر وفشل السيستم ونجاج كل الطلاب في الامتحانات حتى من لم يؤدوها، بل وإجبار المعلمين على الكتابة للطلاب خلال لجان التصحيح من أجل أن يقال إن منظومة التعليم التي اقترحها الوزير في زمن كورونا ناجحة!

Facebook Comments