بعد أشهر من إعلان تطبيع العلاقات بين البلدين، أجازت الحكومة السودانية مشروع قرار يلغي قانون مقاطعة إسرائيل العائد إلى العام 1958 والذي أقرته جميع الدول العربية وقتها، وجاء في بيان للحكومة ذات المكون المدني (اليساري) في السلطة الانتقالية، إن مجلس الوزراء أجاز مشروع القانون مع التأكيد على موقف السودان تجاه دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين. بدوره رحب وزير المخابرات الإسرائيلي إيلي كوهين بقرار مجلس الوزراء السوداني، معتبرا أنها خطوة مهمة وضرورية نحو التوقيع على اتفاق سلام بين البلدين دون أن يحدد موعدا محتملا لهذا الاتفاق.
ويتطلب القرار الذي اتخذته الحكومة السودانية (المفترض أنها مؤقتة) موافقة الجلسة المشتركة لمجلسي السيادة والوزراء بوصفها الجهة التشريعية المؤقتة في السودان بعد عام من نجاح (الثورة!)، وفيما يقلب شباب السودان أيديهم بحثا عما جنوه من هذه الثورة من ثمار تسيل دماء أبنائها باشتباكات قبلية في دارفور تماما كما تسيل بين الحين والآخر على الحدود مع أديس أبابا مع تكرار اعتداءات إثيوبيا أو العصابات الإثيوبية على أراضي السودان ومواطنيه وجنوده، بينما يحبس السودانيون أنفاسهم ويبتلعون ريقهم استعدادا لجفاف وعطش قادم لا محالة في حال واصلت أديس أبابا طريقها نحو الملء الثاني لسد النهضة في يوليو المقبل.
تحديات وجودية كبيرة تحدق بالسودان الذي يبدو أن منظومته الحاكمة التي يفترض أنها مؤقتة، لم تجد حلا حاسما لها حتى الآن سوى بتسديد طعنة جديدة إلى ظهر القضية الفلسطينية كما يقول مراقبون منتقدون بالهرولة نحو المزيد من التطبيع مع الاحتلال.

فرصة تاريخية
ويرى كمال كمبال المحلل السياسي السوداني، إن مشروع القانون يأتي في ظروف صعبة يمر بها السودان ووفق تقديرات قامت بها الحكومة الانتقالية، وربما يكون لهذا القانون انعكاسات إيجابية للشعب السوداني بإخراجه من العزلة الدولية بعد مضي ثلاثين عاما على توقع عقوبات صارمة على الخرطوم. ويزعم كمبال في حوراه مع برنامج "قصة اليو"م على قناة "مكملين"، أن السودان لديه فرصة تاريخية للخروج من العزلة وتوقيع اتفاق سلام مع الدولة العبرية، مضيفا أن إصدار القانون لا يعني تخلي الخرطوم عن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولة مستقلة.
وأوضح أن الحكومة السودانية الآن مؤقتة وليست منتخبة وقد لاقت هذه الخطوة استهجانا كبيرا داخل الشارع السوداني، لكن ليس هناك أعداء دائمين أو أصدقاء دائمين، وربما ترى الحكومة الانتقالية مخرجا للأزمة السودانية في تطبيع العلاقات مع إسرائيل من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية. وادعى أن العلاقات مع إسرائيل لا تعني التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، أاو التخاذل في المبادئ التي عبر عنها السودان منذ فترة طويلة، مضيفا أن تطبيع العلاقات قد يمكن الحكومة السودانية من الضغط على إسرائيل لتحقيق مصالح الشعب الفلسطيني.
https://www.youtube.com/watch?v=s1aKDtH2Ef0

قضايا خلافية
بدوره رأى مازن الحميدي المحلل السياسي، أن المبادئ لا تتجزأ والجميع يعرف حقيقة الكيان الصهيوني، ويعلم أيضا مبادئ وأساسيات القضية الفلسطينية، مضيفا أن السودان تديره حكومة انتقالية وكان عليها عدم الزج بنفسها في قضايا خلافية ومصيرية تؤثر على مستقبل السودان. وأضاف أن الحكومة الانتقالية منوط بها وضع واقع سياسي سوداني يؤسس لما تقبل عليه البلاد في المرحلة المقبلة، وتؤطر لما تكون عليه رؤى البلاد وليس مخولا لها الدخول في قضايا مصيرية لها مرجعيات، ويجب قبل الخوض فيها الرجوع إلى أساسيات ومؤسسات الرأى العام السوداني.
وطالب الحميدي الحكومة الانتقالية بعدم الانجراف وراء قضايا شائكة ومعقدة في هذا التوقيت وتترك ورائها إرثا ثقيلا للحكومة المقبلة، وعليها أن لا تزج بنفسها في مآزق سياسية خطيرة، فالقضية الفلسطينية من أهم أخطر القضايا العالمية ويجب التعامل معها بحذر شديد وأن نكون مدركين لكل خطواتنا في هذا الإطار.

هدية لنتنياهو
من جانبه قال ماهر حجازي، الكاتب الصحفي الفلسطيني، إن التطبيع لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطينى والمستفيد الوحيد هو الاحتلال الإسرائيلي، مضيفا أن قرار الحكومة الانتقالية في السودان بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل خدمة لبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يعيش أزمة سياسية. وأضاف حجازي أن إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لن يكون له أي انعكاسات إيجابية على الشعب السوداني، بل على العكس سيكون هو الخاسر الأكبر من التطبيع مع الاحتلال، كما أن كل اتفاقيات التطبيع التي توقعها الأنظمة العربية لن تخدم الشعوب، وعلى هذه الأنظمة أن تأخذ العبرة والعظة من اتفاقيات السلام التي وقعت مع الاحتلال والأردن ومصر والسلطة الفلسطينية قبل ذلك ولم تفض إلى شيء.
https://www.youtube.com/watch?v=ZlBXcJomo8M

إسرائيل عدو الأمة الدائم
أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، رأى أن الشعوب العربية لا تستفيد من هذه الصفقات الخائنة، والمستفيد الوحيد هم الطبقة الحاكمة المرتشية العاجزة الخانعة، وكذلك الكيان الصهيوني والشركات الاحتكارية العالمية التي تدافع عن مصالحها والقوى الاستعمارية الكبيرة في المنطقة. وأضاف أن ما حدث في السودان وغيره يطرح سؤالا مهما: لمن السيادة؟ فالحكومة السودانية ومجلس الوزراء السوداني الذي أجاز هذا القانون الذي يناقض قانون المقاطعة الذي أقر عام 1958 تجاوز صلاحياته؛ لأنه مجلس مؤقت لتسيير الأعمال وليس حكومة منتخبة، وهذه القرارات السيادية لابد أن يتم استفتاء الشعب عليها.
وأوضح ويحمان أن الأمة العربية والإسلامية لا يمكن أن تقبل بهذا التطبيع، والكيان الصهيوني هو عدو الأمة الدائم عقديا واستراتيجيا ولن يصبح صديقا في يوم من الأيام؛ لأنه يخطط لهدم مسرى الرسول الكريم

Facebook Comments