ليست الحرية كما يتوهمها أكثر الناس مقصورة على نوال الشعوب حقها في السيادة والاستقلال، فتلك هي الحرية السياسة، ووراءها حرية الأمة في تفكيرها وثقافتها واتجاهاتها الإنسانية الكريمة. وليست الحرية كما يظنها كثير من الشباب أن ينطلق الإنسان وراء أهوائه وشهواته، يأكل كما يشاء، ويفعل ما يشاء، ويحقق كل ما يهوى ويريد، فتلك هي: الفوضى أولاً والعبودية الذليلة أخيراً …

أما أنها فوضى، فلأنه ليس في الدنيا حرية مطلقة غير مقيدة بقانون أو نظام، بل كل شيء في الدنيا له قانون يسيره وينظمه، وحرية الفرد لا تصان إلا حين تقيد ببعض القيود لتسلم حريات الآخرين، ومن هنا كانت الحكمة من الشرائع والدساتير والأنظمة والقوانين ..
إن تمام الحرية لا كمالها قد يكون بالمنع أحياناً. فالمريض حين يمنع عن الطعام الذي يضره، إنما تحد حريته في الطعام مؤقتاً، لتسلم له بعد ذلك حريته في تناول ما يشاء من الأغذية.
وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك مثلاً من أروع الأمثلة بقوم كانوا في سفينة وكان بعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها، وكان الذين في أسفلها، يأخذون الماء ممن فوقهم، فقالوا: لماذا لا نخرق في مكاننا خرقاً نأخذ منه الماء من البحر رأساً؟ قال عليه الصلاة والسلام: "فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً" إنه مثل يضع فيه الحد الفاصل بين الحرية الشخصية التي لا تؤذي أحداً، وبين الحرية التي تؤذي المجتمع وتعرضه للانهيار إذا أطلقت يد صاحبها فيها كما يشاء.
حين تستولي على الإنسان عادة الانطلاق وراء كل لذة، والانفلات من كل قيد، يكون قد استعبدته اللذة على أوسع مدى، وأصبح أسيرها يجري في الحياة تحت إرادتها ووحيها فالحيوان هو الذي يسعى وراء لذته بلا قيد ولا هدف، ومهما جهد الإنسان أن ينال من لذائذه ما يهوى فإنه ملاق في سبيل ذلك – رغم أنفه – عوائق تمنعه من بعض ما يريد، فهل يزعم أحد أن الحيوان الذي لا يعوقه دون استكمال لذته عائق، أكثر من الإنسان حرية: فهو أكثر منه سعادة؟!.
ومثل ذلك في التهالك على المال والجاه، والتعصب للزعيم والقائد، إن كل ذلك حين يستولي على قلب الإنسان ونفسه ينقلب إلى عبودية ذليلة، وكل هوى يتمكن من النفس، حتى تكون له السيطرة على الأعمال والسلوك ينقلب بصاحبه إلى عبودية بشعة لا نهاية لقبحها. ومن أعجب أساليب القرآن تعبيره عن مثل هذه الحالة بقوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}الجاثية23
ليست العبودية قيداً ولا سجناً فحسب. فهذه أهون أنواع العبودية وأسرعها زوالاً، ولكن العبودية الحقة: عادة تتحكم، وشهوة تستعلي، ولذة تطاع. وليست الحرية هي القدرة: القدرة على الانتقال من بلد إلى بلد، فتلك أيسر أنواع الحرية وأقلها ثمناً، ولكن الحرية الحقة: أن تستطيع السيطرة على أهوائك ونوازع الخير والشر في نفسك، وإن الحرية الحقة، أن لا تستعبدك عادة ولا تستذلك شهوة.

بهذا المعنى كان المؤمنون المتدينون، أحراراً لا تحد حريتهم بحدود ولا قيود.

إن الدين حرر نفوسهم من المطامع والأهواء والشهوات، وربط نفوسهم بالله خالق الكون والحياة، وقيد إرادتهم بإرادته وحده، والله هو الحق وهو عنوان الخير والحب والرحمة، فمن استعبده الحق والخير والرحمة كان متحرراً من كل ما عداها من صفات مذمومة.

بهذا المعنى الدقيق للحرية والعبودية، نستقبل رمضان على أنه شهر "الحرية"، وعلى أن الصيام مدرسة لتخريج الأحرار بالمعنى العلمي الصحيح.
في رمضان جوع وعطش وفيه قيد وحرمان. ولكنه يمنحنا الصحة، ويحررنا من العبودية. إن فيه تمرداً على عبودية الطعام والشراب، وعبودية العادة والحياة الترتيبة، والتمرد على العبودية أول صفات الأحرار ..
ألا ترى إلى قصة طالوت إذ منع جيشه من الشرب من نهر اعترضهم في المسير وهم عطاش منهكون، فما أطاعه إلا قليل، ولكن النصر كان على يد هذه القلة الصائمة المتحررة من سلطان الشهوة ..{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} البقرة249 – 250
تهتم القناة بكل مايتعلق بجماعة الإخوان المسلمين في الفكر و الدعوة و السياسة.
………………………………

*أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سوريا

Facebook Comments