تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى معرض كبير لصور وأحداث مجزرة رابعة العدوية التي ارتكبها العسكر في 2013 وجددوا قتل الضحايا مرة أخرى عبر التزوير والأكاذيب في 2012. حيث نشر المئات شهادات حية عن الاعتصام وجريمة نظام الانقلاب التي جددها عرض مسلسل "الاختيار 2" الذي أنتجته شركة "سينيرجي" المخابراتية، وخاصة حلقة الفض التي جددت الحديث عن المجزرة التي تمت في ذلك اليوم الذي لن ينسى في تاريخ الشعب المصري.

وأعاد ناشطون نشر تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن مذبحة رابعة التي نفذتها سلطات الانقلاب في 14 أغسطس 2013 ضد أنصار الديمقراطية ورافضي الانقلاب العسكري.

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد أصدرت تقريرا، بعد عام على المذبحة في أغسطس 2014، حيث وثقت ما جرى في ذلك اليوم وما سبقه منذ 3 يوليو حيث انقلب الجيش على الرئيس المدني.

وقالت المنظمة إنه في شهري يوليو وأغسطس عام 2013 فاضت الكثير من ميادين مصر العامة وشوارعها بالدماء في أحيان كثيرة، بعد انقلاب الجيش في 3 يوليو على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مصري مدني منتخب، والعضو القيادي بجماعة الإخوان المسلمين.

جرائم ضد الإنسانية 

وأضاف التقرير أنه على مدار الشهرين التاليين نظم مؤيدو الإخوان المسلمين اعتصامين كبيرين في القاهرة ومظاهرات أصغر حجما في أنحاء مصر للتنديد باستيلاء الجيش على السلطة والمطالبة بعودة مرسي إلى الحكم. وفي معرض الرد قامت قوات الشرطة والجيش مرارا بفتح النيران على المتظاهرين، فقتلت أكثر من 1150 منهم، ومعظمهم في 5 وقائع منفصلة من القتل الجماعي للمتظاهرين.

وأوضح تحقيق "هيومن رايتس ووتش" الذي استمر لمدة عام كامل في سلوك قوات الأمن عند استجابتها لهذه المظاهرات، إلى قيام قوات الجيش والشرطة بسلطة الانقلاب ، على نحو عمدي وممنهج، باستخدام القوة المميتة والمفرطة في عمليات حفظ الأمن، ما أدى إلى مقتل متظاهرين على نطاق لم يسبق له مثيل في مصر.

وأشارت المنظمة إلى أن الأدلة اشتملت على تحقيقات في مواقع الأحداث بكل موقع من مواقع التظاهر، أثناء وقوع الاعتداءات على المتظاهرين أو بعدها مباشرة، وعلى مقابلات مع أكثر من 200 من الشهود وبينهم متظاهرون وأطباء وعاملون آخرون بالحقل الطبي وصحفيون ومحامون وسكان لمناطق الأحداث، وعلى مراجعة للأدلة المادية ولساعات من مقاطع الفيديو وتصريحات مسؤولين عموم.

وخلص تقرير "هيومن رايتس ووتش" إلى أن عمليات القتل لم تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان فحسب، بل إنها ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى اتساع نطاقها وطبيعتها الممنهجة، وكذلك إلى الأدلة التي توحي بأن عمليات القتل كانت جزءا من سياسة تقضي بالاعتداء على الأشخاص العزل على أسس سياسية.

ونوهت بأن العديد من التصريحات الحكومية والصادرة عن اجتماعات حكومية أشارت إلى علم مسؤولين رفيعي المستوى بأن من شأن الاعتداءات أن تؤدي إلى قتل واسع النطاق للمتظاهرين، بل إن حكومة الانقلاب قامت، في كبرى الوقائع، فض اعتصامي رابعة والنهضة، بالتحسب لوفاة عدة آلاف من المتظاهرين والتخطيط لذلك، وبعد مرور عام كامل، تواصل قوات الأمن إنكارها لارتكاب أي خطأ، وقد أخفقت السلطات في محاسبة ضابط شرطة أو جيش واحد على أي من وقائع القتل غير المشروع.

أخطر وقائع القتل الجماعي 

وبحسب تقرير "هيومن رايتس ووتش" وقعت أخطر وقائع القتل الجماعي للمتظاهرين يوم 14 أغسطس ، حين قامت قوات الأمن بسحق الاعتصام الكبير في منطقة رابعة العدوية، قام أفراد الشرطة والجيش، باستخدام ناقلات الأفراد المدرعة، والجرافات، وقوات برية وقناصة، بالاعتداء على مخيم الاعتصام المرتجل حيث كان متظاهرون، وبينهم سيدات وأطفال، قد خيموا لما يزيد على 45 يوما، وفتحوا النيران على المتظاهرين فقتلوا ما لا يقل عن 817 شخصا، وأكثر من ألف على الأرجح.

وتابع التقرير" وثق باحثو هيومن رايتس ووتش فض اعتصام رابعة ووجدوا أن قوات الأمن فتحت النيران على المتظاهرين باستخدام الذخيرة الحية، فقتل المئات بالرصاص الموجه إلى رؤوسهم وأعناقهم وصدورهم. ووجدت هيومن رايتس ووتش أيضا أن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة دون تمييز، إذ كان القناصة المتمركزون داخل ناقلات الأفراد وبجوارها يطلقون أسلحتهم على حشود كبيرة من المتظاهرين. قال عشرات الشهود أيضا إنهم شاهدوا قناصة يطلقون النيران من مروحيات فوق منطقة رابعة".

إجرام ميلشيات الانقلاب

وأردف التقرير: "رغم أن الحكومة كانت قد أعلنت ونشرت خطتها لفض الاعتصامين بالقوة، إلا أن هذه التحذيرات لم تكن كافية، فقد أخفقت تحذيرات حكومة الانقلاب  في وسائل الإعلام وفي منطقة رابعة نفسها، في الأيام السابقة على 14 أغسطس، في تحديد موعد الفض، كما أن التحذيرات الصادرة صباح يوم الفض لم يسمعها الكثيرون، ولم توفر للمتظاهرين وقتا كافيا للمغادرة قبل لجوء قوات الأمن إلى الفض بالقوة، وقالت الأغلبية الساحقة من المتظاهرين الذين أجرت هيومن رايتس ووتش معهم مقابلات على خلفية هذا الحدث إنهم لم يسمعوا التحذيرات المسجلة التي أذاعتها قوات الأمن عن طريق مكبرات صوت قريبة من مدخلين على الأقل من مداخل الاعتصام، قبل دقائق من فتح النيران. قامت قوات الأمن بعد ذلك بمحاصرة المتظاهرين معظم اليوم، وشنت الهجوم من مداخل الاعتصام الرئيسية الخمسة بحيث لم تترك أي مخرج آمن حتى نهاية اليوم، بما في ذلك للمتظاهرين الجرحى المحتاجين إلى رعاية طبية، وكذلك المتلهفين على الفرار. بدلا من ذلك، وفي حالات كثيرة، لجأت قوات الأمن إلى إطلاق النيران على من كانوا يسعون للفرار، بحسب ما قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش".

واستطرد: "أدى الاستخدام المتعمد، عديم التمييز للقوة المميتة إلى واحدة من كبرى وقائع قتل المتظاهرين في العالم في يوم واحد، في التاريخ الحديث. وعلى سبيل المقارنة، تشير تقديرات ذات مصداقية إلى أن القوات الحكومية الصينية قتلت 400-800 من المتظاهرين على مدار فترة 24 ساعة في مذبحة ميدان "تيانانمين" يومي 3 و4 يونيو 1989، وقتلت القوات الأوزبكية أعدادا مماثلة تقريبا في يوم واحد أثناء مذبحة "أنديجان" عام 2005".

واستكمل التقرير: "استمر فض اعتصام منطقة رابعة 12 ساعة، من شروق الشمس إلى غروبها. بدأت الشرطة هجومها، بالتنسيق مع قوات الجيش، في نحو السادسة والنصف صباحا، بإلقاء عبوات الغاز المسيل للدموع وإطلاق الخرطوش على المتظاهرين الموجودين قرب مداخل الاعتصام، ثم قامت سريعا، في غضون دقائق عند بعض المداخل، بالتصعيد إلى الذخيرة الحية، بحسب عشرات من الشهود، وبقيادة جرافات الجيش، زحفت الشرطة ببطء من كل مدخل من المداخل الخمسة الكبرى ـ اثنان على طريق النصر، واثنان بشارع الطيران، وواحد بشارع أنور المفتي خلف مسجد رابعة العدوية ـ في ساعات الصباح الأولى، مكتسحة في طريقها الحواجز المرتجلة التي أقامها المتظاهرون وغير ذلك من المنشآت. وكانت القوات الزاحفة مدعومة بقناصة منتشرين على أسطح المباني الحكومية المجاورة. انسحب العديد من المتظاهرين إلى منطقة الاعتصام المركزية طلباً للسلامة، لكن بعضهم ظل على الأطراف لإلقاء الحجارة وزجاجات المولوتوف والألعاب النارية على القوات الزاحفة".

وسرعان ما ملأ المتظاهرون المصابون والقتلى مستشفى رابعة والمرافق الميدانية المقامة بعرض منطقة الاعتصام، حيث كان أطباء متطوعون وغيرهم من العاملين بالحقل الطبي، وأكثرهم متظاهرون هم أنفسهم، يقدمون الرعاية لذوي الإصابات الخطيرة مستعينين بالمعدات والأدوية الأساسية التي تم التبرع بها. قال أطباء من مستشفى رابعة لـ هيومن رايتس ووتش إن الأغلبية الساحقة من الإصابات التي عالجوها كانت ناجمة عن طلقات نارية، وكثير منها في الرأس والصدر. وشرعت قوات الأمن منذ الصباح في إطلاق النار على المرافق الطبية، كما وضعت القناصة بحيث يطلقون النار على الراغبين في دخول مستشفى رابعة أو مغادرته.

قنص المتظاهرين

حرق الجثث وإعدامات ميدانية

وواصل التقرير:"كثفت قوات الأمن الزاحفة على الأرض، علاوة على القناصة المنتشرين فوق الأسطح، من نيرانها على مدار الصباح، حتى سادت النيران العشوائية عديمة التمييز مداخل الاعتصام في نحو الثامنة صباحا. ولكن بحلول التاسعة أو العاشرة كانت قوات الأمن قد تعطلت بفعل متظاهرين يلقون الحجارة عند كل مدخل، متمركزين في مواقع إستراتيجية مخصصة لتقليل التعرض للنيران المباشرة، مما أبطأ من تقدم قوات الأمن، وفي الساعات المبكرة من بعد الظهر، عقب استراحة وجيزة في منتصف النهار خفت فيها شدة النيران، كثفت قوات الأمن من نيرانها في زحفها النهائي على قلب الاعتصام. قتلت قوات الأمن الكثير من المتظاهرين في تلك الساعات الأخيرة، في غياب أية حماية لأي جزء من المنطقة من النيران واسعة النطاق. وفي نحو الساعة 5:30 مساء كانت الشرطة قد طوقت المتظاهرين الباقين حول مسجد رابعة العدوية والمستشفى، الموجودين قرب مركز الاعتصام، ثم استولت على المستشفى بالقوة. وعند تلك اللحظة أمرت غالبية الأشخاص المتبقين بالخروج، ومن بينهم أطباء، مع تعليمات بترك الجثث والمصابين خلفهم. ومع مغادرة آخر المتظاهرين لمنطقة الاعتصام، اندلعت حرائق بالمنصة المقامة في مركز الاعتصام، والمستشفى الميداني، والمسجد، وبالطابق الأول من مستشفى رابعة. وتوحي الأدلة بقوة بأن الشرطة تعمدت إشعال تلك الحرائق. احتجزت قوات الأمن أكثر من 800 متظاهر على مدار اليوم، واعتدت على بعضهم بالضرب والتعذيب، وفي بعض الحالات قامت بإعدامهم ميدانيا، بحسب ستة شهود.

وأضاف التقرير أنه في نفس يوم فض رابعة، وهو 14 أغسطس، قامت قوات الأمن أيضا بفض مخيم اعتصام ثان أصغر حجماً لمؤيدي الرئيس مرسي، في ميدان النهضة قرب جامعة القاهرة بالجيزة، واتبع الفض في النهضة نفس النمط المتبع في رابعة: ففي نحو السادسة صباحا قامت قوات الأمن بمطالبة المتظاهرين، من مكبرات للصوت، بمغادرة الميدان، ثم لجأت في أعقاب ذلك مباشرة تقريبا إلى إطلاق النار على المتظاهرين بمن فيهم أولئك الذين يحاولون الخروج من المخارج "الآمنة" كما وصفت. وقد وصف شهود كيف شرعت قوات الأمن في إطلاق النار على المتظاهرين، عمدا ودون تمييز على السواء، باستخدام الغاز المسيل للدموع، والخرطوش، والذخيرة الحية. ومع احتماء بعض المتظاهرين داخل مبنى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، اشتد العنف حين أطلقت قوات الأمن النيران على المتظاهرين المتمترسين داخل المبنى. حددت وزارة الصحة حصيلة الوفيات في فض النهضة بعدد 87.

وأضاف التقرير أن القتل الجماعي للمتظاهرين قد اتسم ، على نحو واضح، بعدم التناسب مع أي تهديد لحياة السكان المحليين وأفراد الأمن أو غيرهم. وحتى بفرض وجود مصلحة أمنية مشروعة لدى الحكومة في تأمين موقع الاعتصام، إلا أن قوات الأمن أخفقت في تنفيذ الفض على نحو يقلل الخطر الواقع على الأرواح، بما في ذلك عن طريق ضمان مخارج آمنة، فإن القوة المميتة لا ينبغي اللجوء إليها إلا عند الضرورة القصوى للحماية ضد تهديد وشيك للأرواح – وهو معيار لم يتم الالتزام به إلى حد بعيد في هذه الحالة.

حكومة قتلة الأطفال والنساء والعزل

وقد تمت جهود وساطة مصرية ودولية لمنع الفض بالقوة والتوصل إلى صفقة سياسية بين قادة الإخوان والحكومة طوال يوليو ومطلع أغسطس ، إلى أن أعلن رئيس وزراء الانقلاب حازم الببلاوي عن إخفاق تلك الجهود في 7 أغسطس وأعلنت وزارة الداخلية، التي كانت قد وضعت بالفعل خطة للفض وافق عليها مجلس الدفاع الوطني ومجلس الوزراء، وحصلت على تفويض بالفض من النائب العام استنادا إلى شكاوى تم تقديمها من مواطنين، أعلنت أنها ستمضي في تنفيذ فض الاعتصامات. لكن مسؤولي الأمن ظلوا طيلة أسابيع يعدون بأن الفض سيكون متدرجا، يبدأ بتطويق الاعتصام بكردون أمني، ثم توجيه تحذيرات وتوفير مخرج آمن، وخاصة للسيدات والأطفال. ومع ذلك فإن شيئا من الاحتياطات الموعودة لم يتخذ.

اختارت حكومة الانقلاب في النهاية المضي قدما في فض عنيف بالقوة، عالمة بأنه سيؤدي إلى حصيلة شديدة الارتفاع من الوفيات: قال أحد المدافعين عن حقوق الإنسان لـ هيومن رايتس ووتش إن مسؤولي وزارة الداخلية، في اجتماع مع منظمات حقوقية قبل الفض بتسعة أيام، كشفوا عن توقعهم لحصيلة وفيات تبلغ 3500. وفي الأيام السابقة على الفض استشهدت صحيفتان بارزتان بمصادر أمنية تشير إلى أن خطة وزارة الداخلية للفض تتوقع معدل خسائر تقدر بعدة آلاف من الموجودين في الاعتصام.

رابط التقرير:

https://www.hrw.org/ar/report/2014/08/12/256580

Facebook Comments