في تناقض بين مشهدين أحدهما في دولة ديمقراطية يحكمها القانون وينعم شعبها بالكرامة والحرية والأخرى ترزح تحت حكم انقلاب ديكتاتوري دموي، يقف رئيس الوزراء البريطاني "بوريس جونسون" متهما بتبديد المال العام، بينما لا يعرف السفاح السيسي طريقا لبعثرة وتتضيع أموال المصريين إلا سلكه.
وأعلنت هيئة الرقابة على الإنفاق السياسي في بريطانيا، أنها ستبدأ تحقيقا رسميا في تمويل تجديد شقة رئيس الوزراء بوريس جونسون في داونينج ستريت، فيما وصفتها الصحافة البريطانية بـ"فضيحة ورق الحائط".
وقالت مفوضية الانتخابات البريطانية، في بيان، إنه يوجد "أسباب معقولة للاشتباه في وقوع جريمة أو جرائم. لذلك سنواصل هذا العمل كتحقيق رسمي لتحديد ما إذا كان هذا هو الحال".

بين القصر والشقة
وتعرض جونسون لضغوط لشرح كيف دفع تكاليف تجديد شقته، والتي ذكرت وسائل الإعلام البريطانية أن تكلفتها حوالي 200 ألف جنيه إسترليني، بينما يُمنح رؤساء الوزراء البريطانيين 30 ألف جنيه إسترليني من المال العام سنويا لتجديد العقار خلال فترة ولايتهم.
يقول صاحب حساب الناشط "المراقب الشرعي": "رئيس وزراء بريطانيا يخضع للتحقيق عن مصدر تمويل الأثاث الجديد لمقر إقامتة !!هذه الدولة المحترمة التي يمكن نسميها عظمى وليس كبلادنا العربية ..رئيس يبني عشرات القصور ويبني لوالدتة مقبرة ضخمة ولا يسأله احد ، وآخر قاعد يشتري يخوت ولوحات ويبعثر المليارات على المغنيات ولا يحاسبه احد".
وسيطرت التساؤلات حول من دفع في البداية لتجديد الشقة على وسائل الإعلام البريطانية لعدة أيام، وقد تؤدي الأنباء عن بدء تحقيق رسمي إلى مزيد من المتاعب لجونسون.
ويواجه رئيس الوزراء وحكومته حاليا عدة اتهامات بـ"سلوك غير أخلاقي، وحرب كلامية مع كامينجز وادعاء قد يكون ضارا للغاية بأن جونسون ترك الناس يموتون من فيروس كورونا لتجنب وضع إنجلترا في حالة من الإغلاق الوبائي الثاني.
ورد جونسون بالقول، عدة مرات، إنه دفع ثمن أعمال التجديد بنفسه، لكنه لم يتطرق إلى مسألة ما إذا كان قد فعل ذلك "في البداية".
وبينما يقف جونسون للحساب عن ورق الحائط، نشر الناشط عبد الله الشريف، في وقت سابق، صورا من داخل قصور قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ووثّق تفاصيل تظهر ضخامة هذه القصور.
وكشفت صور بالأقمار الصناعية، العام الماضي، عن ضخامة قصر السفاح السيسي، الذي يعادل 10 أضعاف مساحة البيت الأبيض في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتبلغ مساحة القصر الذي يبنيه السفاح السيسي في العاصمة الإدارية الجديدة 50 ألف متر مربع تقريبا، أي ما يعادل عشرة أضعاف مساحة البيت الأبيض في واشنطن، الذي تبلغ مساحته 5 آلاف متر مربع فقط.

رحيل الديكتاتور
وكان الكشف عن بناء قصور بكلفة باهظة، أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تحريك الشارع قبل عامين في سبتمبر 2019 واندلاع احتجاجات شعبية ساخطة، في العاصمة القاهرة وعدة محافظات، تطالب برحيل السفاح السيسي.
ويبدو أن ملف فساد بناء القصور الذي فتحه الفنان محمد علي، دفع بأجهزة  إلى التحرك لامتصاص غضب الشارع، إذ أعلن جهاز الكسب غير المشروع، عن القبض على موظفين في الرئاسة بتهم فساد، وإحالتهم للنيابة بتهمة إهدار ملايين الجنيهات في مشروعات تابعة للرئاسة.
وحسب مراقبين، فإن التناقض في سياسات السفاح السيسي هو الذي يقف وراء غليان الشارع، حيث اعتمد على إجراءات تقشفية صارمة أنهكت الفقراء عبر تقليص الدعم ورفع أسعار الوقود والسلع والخدمات وفرض ضرائب جديدة، وفي الوقت نفسه أنفق ببذخ عشرات المليارات من الجنيهات على بناء قصور ومشروعات للأغنياء، الأمر الذي أدى إلى زيادة الديون لأرقام قياسية وتواصل العجز، وبالتالي انعكس ذلك سلبا على معيشة المصريين.
وردا على ما كشفه المقاول محمد علي عن عمليات فساد واسعة في بناء القصور، قال السفاح السيسي في مؤتمر للشباب عام 2019: "بيقولوا إني بعمل قصور جديدة، أنا بعمل قصور في العاصمة الإدارية الدنيا كلها هتتفرج عليها، وبعمل".
ويرى خبراء اقتصاد أن سنوات الانقلاب الأخير، كأنها أعوام النكسة، التي شهدتها مصر بعد هزيمة 1967 أمام الاحتلال الصهيوني وضياع سيناء، قبل أن ينتفض المصريون ويزيلوا مرارة الهزيمة بعبور الخط المنيع الذي أقامه الاحتلال في أكتوبر 1973.
ولكن هل من عبور هذه المرة من تلال الديون التي جلبها السيسي لمصر؟ وهل بات بالإمكان اقتفاء أثر مئات مليارات الجنيهات التي نثرها في الصحراء في مشروعات من دون جدوى اقتصادية وقصور رئاسية وتفريعة لقناة السويس امتصت عشرات المليارات من دون عائد؟
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي أشرف دوابة، أن سياسات السفاح السيسي أدخلت مصر في دوامة أزمات اقتصادية ومالية، حيث أنفق مبالغ ضخمة على بناء قصور ومشروعات لا يستفيد منها سوى الأغنياء.
وتفاقم الفقر، ليطاول نحو ثلثي سكان البلاد، الذين يتجاوز إجمالي عددهم 100 مليون نسمة، ووصول الديون إلى مستويات غير مسبوقة، حيث جلب السفاح السيسي في سبع سنوات فقط ديونا تتجاوز قروض 5 رؤساء تولّوا رئاسة مصر في 60 عاما.

Facebook Comments