كما فعل من قبل إعلام الانقلاب العسكري الذي لا يفهم في الإستراتيجيات أو السياسات وصناعتها ومخاطر صناعة القرارات العبثية والعشوائية التي أدمنها العسكر منذ خمسينيات القرن الماضي، وخرج في 2015 معلنا أن زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي "حلها خلاص" ، "اتحلت" ، مبشرين بتوقيع السيسي اتفاق المبادئ مع إثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة والذي تدفع مصر ثمنه حاليا؛ وهو الأمر الذي سيتكرر خلال الأيام المقبلة، مع اتجاه نظام السيسي الذي تخلى تماما عن خيار الحل العسكري، الذي كان يهدد به إثيوبيا مفضلا تهديد المصريين بالداخل لتوقيع اتفاق مؤقت لإدارة عملية الملء الثاني لسد النهضة، والذي يبدأ خلال أيام وينتهي في يوليو المقبل، دون الاتفاق على إدارته مستقبلا لعمل الملء والإدارة الكاملة للسد؛ وهو ما يحذر منه خبراء ومتخصصون، إلا أن السيسي لا يسمع إلا صوت نفسه، وعلى الشعب أن يشرب من مياه البحر أو المجاري التي يتوسع السيسي في استثماراته العسكرية لإنشاء محطات عديدة لإعادة تدويرها بديلا عن النيل..
وخلال الأيام القليلة الماضية تصاعدت وتيرة التحركات الدبلوماسية الأمريكية والأفريقية والإماراتية في قضية سدّ النهضة، نحو إقامة محطة تهدئة، تتمثل في إقناع مصر والسودان بقبول توقيع اتفاق مؤقت لإدارة الملء الثاني للسد وتشغيله خلال الفترة الممتدة حتى فيضان عام 2022، عوضا عن التوصل إلى اتفاق نهائي ودائم وشامل على قواعد الملء والتشغيل.
في السياق، وصل الأحد، رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الإمارات، للتباحث حول القضية وإمكانية التهدئة على الحدود السودانية – الإثيوبية أيضا. وقبلها بساعات، التقى عبد الفتاح السيسي في القاهرة بنظيره الكونغولي فيليكس تشيسكيدي، رئيس الاتحاد الإفريقي.
وبينما تحدّث الجميع صراحةً في القاهرة وأبوظبي والخرطوم، خلال لقاءات المبعوث الأمريكي لمنطقة القرن الإفريقي جيفري فيلتمان، عن معالم مقترح الاتفاق المؤقت، القائم على تبادل البيانات خلال عملية الملء ، فإن مصر والسودان يتواصلان حالياً حول الشروط الواجب توافرها للقبول بهذا الحل المؤقت، المعروف على المستوى الفني بأنه لن يكون سببا في أي ضرر خلال الفترة الحالية.
لكن خطورة الحلّ المؤقت تكمن في أن إثيوبيا ستتمكن من التحكم في مياه النيل مستقبلاً، بلا شريك أو رقيب، وستتخذ أديس أبابا من سابقة ملئها السد مرتين بقرار سيادي حجّة للخروج عن أي اتفاق يمكن إبرامه مع مصر والسودان، وإقدامها على تغيير نسب التدفق ومعدلات التشغيل بين فترة وأخرى. ومن المتوقع أن تعمل إثيوبيا بهذا النهج، أخذا في الاعتبار استنادها الدائم إلى اتفاق المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في مارس 2015، والذي يجيز لها إعادة ضبط القواعد من وقت لآخر، وأن الإخطار المسبق الوحيد الذي تكلّف به إثيوبيا ضمن الاتفاق هو إخطار دولتي المصب بأي ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد.

Facebook Comments