فى أكبر ضربة للاقتصاد المصرى فى عهد الانقلاب الدموى بقيادة عبدالفتاح السيسي، أعلنت إدارة الشركة المصرية للحديد والصلب رسميا إيقاف العمل في مصنع الحديد والصلب بحلوان بشكل نهائي، تمهيدا لبدء إجراءات تصفيتها نهائيا، رغم الاعتراضات العمالية والشعبية والنقابية الواسعة، والدعاوى القضائية لوقف قرار تصفية الشركة.

واحتجاجا على قرار إيقاف العمل وإغلاق المصنع نظم أكثر من 500 عامل من عمال الوردية الثانية والثالثة اعتصاما بالمصنع، وتساءلوا عن مصير آلاف العمال في ظل الوضع الجديد، بينما انتشرت قوات أمن الانقلاب في جميع الشوارع المؤدية إلى المصنع وأمام بوابات الشركة لتنفيذ قرار الغلق لتفقد الصناعة الوطنية قلعة جديدة من قلاعها، ورمزاً وطنياً له مكانته في وجدان الشعب المصري. كما تجمع نحو 1200 عامل بالشركة أمام مبنى الإدارة للمطالبة بحقوقهم المالية عند التصفية، وطالبوا بحساب التعويضات بواقع شهرين لكل سنة خدمة من الأجر الشامل بحد أدنى 450 ألف جنيه دون حد أقصى.

 

مسئولية القرار

من جانبها، دانت دار الخدمات النقابية والعمالية إجراءات تصفية شركة الحديد والصلب وحملت متخذي القرار مسئولية إهدار صرح من أهم صروح الصناعة الوطنية. وقالت الدار، في بيان لها إن القرار المؤسف بإغلاق شركة الحديد والصلب وإيقاف العمل بها، ومنع العمال من الحضور يعد تحديا صارخا لإرادة الشعب المصري وطموحاته الوطنية.

وجددت الدار رفضها قرار تصفية شركة الحديد والصلب، مؤكدة إدانتها الشديدة للإصرار على البدء في إجراءات التصفية الذي يتجاهل اتجاهات الرأي العام المصري والموقف المجتمعي الواضح الرافض لقرار التصفية. واعتبرت أن إصرار وزارة قطاع الأعمال العام الانقلابية على تنفيذ القرار المرفوض لا ينطوي فقط على تحدي الإرادة الشعبية، وإنما يتغافل أيضاً اعتبارات شديدة الأهمية.

وشددت على أن الاختيار بين تصفية شركة الحديد والصلب أو استمرارها وتطويرها، هو في المحل الأول قرار سياسي: هل نرغب في أن تكون لدينا صناعة الحديد والصلب الإستراتيجية أم أننا يعوزنا الطموح إلى ذلك؟ وأنه ليس خافيا على أحد أن الحديد والصلب صناعة مغذية لصناعات كثيرة تتكامل معها، وليس هناك من ينكر أن الشركة الكبيرة كانت وما تزال صرحاً من صروح الصناعة الوطنية، وقلعة من قلاعها، وأنها لبت احتياجات بالغة الأهمية في لحظات فارقة بدءاً من الصناعات الحربية، وانتهاءً بإسطوانات الأكسجين في ظل أزمة كورونا الخانقة.

 

كارثة وطنية

وطالب كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، بإنقاذ شركة الحديد والصلب، مؤكدا أن قرار تصفية الشركة التي يزيد عمرها عن أكثر من 70 عاما، كارثة تهدد الصناعة الوطنية وتنذر بتشريد الآلاف من العمال وأسرهم. وقال عباس، فى تصريحات صحفية، إن الخبراء وضعوا خطة لإنقاذ الشكرة خلال فترة زمنية معينة، مع التعهد بتمويلها شعبيا بالتبرعات والاكتتابات دون تحميل خزينة الدولة أي أعباء مالية، على أن يكون عمال الحديد والصلب الموجودين على قيد الحياة على رأس المكتتبين.

وأضاف: يبدو أن حكومة الانقلاب تريد التصفية لأجل التصفية، ولا تريد التطوير ولا التنمية، مشيرا إلى أن مصنع الحديد والصلب بني بسندات المصريين، الذين دفعوا “تحويشة العمر”، في سبيل تحقيق حلمهم بإنشاء هذا الصرح في بلدهم دون نظر لأغراض الربح، وبذلوا في سبيل ذلك سنوات من العمل والعرق والخبرات، حتى أصبح الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط.

وأكد عباس أن الرسالة الواضحة من تصفية الحديد والصلب، واستهداف شركات الأسمدة والغزل والنسيج وغيرها، تعني أن دولة العسكر لا تريد صناعة وطنية، وإنما تفضل الاعتماد على اقتصاد الخدمات، بدلا من التركيز على أسس التنمية الحقيقية، رغم عدم وجود أي ضغوط داخلية أو خارجية لاتخاذ مثل هذا القرار، خاصة أن صندوق النقد الدولي صاغ مراجعات داخلية لوقف الضغط على الدول للتخلص من القطاع العام.

وأشار إلى أن القرار لن يكون في صالح القطاع الخاص محليا، لاسيما أن احتياجات السوق من منتجات شركة الحديد والصلب وشركات القطاع الخاص أكثر من الكميات المعروضة، بل إن السوق تحتاج إلى أكثر من مصنع مماثل لتلبية حاجة السوق.

 

قطاع الأعمال

وفي محاولة لصرف النظر عن دور السيسي في الأزمة باعتباره صاحب القرار السياسي الأول والأخير، يجري توظيف بعض القيادت النقابية لتحميل الوزير المسئولية رغم أنه يتلقى الأوامر من أجهزة السيسي الأمنية التي تتلقى بدورها الأوامر من السيسي مباشرة. ويزعم مجدي البدوي، نائب رئيس إتحاد عمال مصر، أن المسئولية تقع على هشام توفيق وزير قطاع الأعمال الانقلابى، مدعيا أنه السبب في تدمير صناعة الحديد والصلب، واتهمه بمحاولة بيع الشركة بعد قرارات تصفيتها لتجار الخردة وسماسرة الأراضي. متجاهلا عن عمد دور السيسي في الأزمة. وقال البدوي، في تصريحات صحفية، إن توفيق “يكفر” بشركات قطاع الأعمال، ولا يؤمن سوى بالقطاع الخاص، وإنه منذ تم تعيينه وزيراً يخطط لهذه اللحظة، ويرتب أوراقه على كيفية الإجهاز علي هذه الشركة العملاقة.

 

يوم حزين

وانتقد الدكتور مصطفى كامل السيد، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، قرار إغلاق شركة الحديد والصلب  بعد إغلاق الأفران وقفل أبواب المصنع ومنع العمال من الدخول. وقال السيد، عبر حسابه على “فيسبوك”: التنمية في مصر لا تحتاج لا حديد ولا صلب، ولأن مشكلة المصنع لا يمكن حلها، وكل الحلول المقترحة التي قدمها خبراء لا ترضي وزير قطاع الأعمال، ولأن ارتباط المصنع بمشروعات تنمية تعتمد على التصنيع لا يرضي البعض، لذلك فلابد من إغلاق المصنع، وعلينا أن نبحث عن استيراد الصلب لتغذية الصناعات التي كانت تتلقي احتياجاتها من المصنع.

وأضاف: هذا المنطق هو الذي يقود أحد الوزراء للدعوة لدخول القطاع الخاص في إدارة خطوط السكك الحديدية، خصوصا القطارات الفاخرة التي ستمر كلها بما يسمي بالعاصمة الإدارية الجديدة، وكأنه لا توجد دول تدير سككها الحديدية بواسطة شركات مملوكة للدولة من الصين إلى المغرب، وكأن البريطانيين لم يعانوا المر بعد خصخصة السكك الحديدية البريطانية.

وأشار السيد إلى أن الدول التي حققت قفزات هائلة على طريق التنمية في العقود الأخيرة هي التي انطلقت بصناعاتها التي نجد منتجاتها في شوارع مصر، من كوريا الجنوبية إلى الصين والهند ونمور آسيا الآخرين، ولكننا نرفض التعلم، ونميل إلى الحلول السهلة، ومعها تزداد مديونيتنا ويتفاقم الفقر في بلدنا، يوم حزين عندما نغلق مصنعا ولا نقيم مكانه مئات المصانع، ونستمر نفتقد الرؤية الصحيحة للتنمية في مصر.

Facebook Comments