لا يريد السيسي توحيد الجبهة الداخلية في نفس الوقت الذي تخلى فيه عن الخيار العسكري بمواجهة تعنت إثيوبيا إزاء سد النهضة.. تلك خلاصة ما يمكن استباطه من الأحكام المُسيسة الصادرة من محكمة النقض التي باتت مطية يركبها السيسي لمواجهة خصومه السياسيين، بعد تشريعاته غير الدستورية بالتدخل في تشكيلها وتعيين رئيسها وتحديد هيئتها، إثر سياسته لتسييس القضاء المصري والقضاء على استقلاليته.
فعلى عكس دعوات التهدئة والتلاحم مع النظام في مواجهة أزمة “سد النهضة”، جاءت الأحكام النهائية بإعدام 12 قياديا من “الإخوان” وغيرهم، والسجن المؤبد لآخرين بقضية “فض رابعة” لتمثل صدمة جديدة في الأوساط السياسية، ولتؤكد أن النظام ماض في قمعه ولا يستمع لأي أصوات عاقلة، تستهدف تبريد الأوضاع السياسية بالبلاد المأزومة محليا وإقليميا ودوليا.
حيث أيدت محكمة النقض ، أمس الإثنين 14 يونيو 2021، أحكام الإعدام بحق 12 بريئا، بينهم قيادات في جماعة الإخوان المسلمين؛ وذلك ضمن هزلية فض اعتصام رابعة العدوية عام 2013، فيما أصدرت أحكاما مختلفة بالسجن بحق آخرين في نفس القضية.
يأتي قرار محكمة النقض لتكون أحكامه نهائية واجبة التنفيذ، وذلك بعد أن قضت محكمة جنايات القاهرة في وقت سابق بإعدام 75 بريئا في قضية اعتصام رابعة العدوية.
وجاء في قرار محكمة النقض تأييد الإعدام لكل من عبدالرحمن البر ومحمد البلتاجي وصفوت حجازي وأسامة ياسين وأحمد عارف وإيهاب وجدي محمد ومحمد ومصطفى عبدالحي الفرماوي وأحمد فاروق كامل وهيثم السيد العربي ومحمد محمود علي زناتي وعبدالعظيم إبراهيم محمد.
كما قضت محكمة النقض بتخفيف عقوبة الإعدام عن مرشد جماعة الإخوان د. محمد بديع، ود. باسم عودة، وزير التموين في فترة حكم الرئيس محمد مرسي، وأبقت على الحكم بالسجن المؤبد بحقهم.
كما قررت سجن 374 بريئا آخر 15 سنة والسجن 10 سنوات لـ23 بريئا بينهم أسامة محمد مرسي ابن الرئيس و22 آخرين.
فيما قضت المحكمة بانقضاء الدعوى عن الدكتور عصام العريان بعد وفاته داخل السجن.

لا يعبأ بالتحديات 

وذلك على الرغم من أن قوات الأمن فضت حينها الاعتصام بعنف في ميدان رابعة العدوية؛ ما خلّف أكثر من ألف معتصم، أو 800 ضحية في صفوف المعتصمين وفق منظمة “هيومن رايتس ووتش” التي تحدثت عن “مجزرة جماعية هي الأكبر في تاريخ مصر الحديث”.

وكانت النيابة العامة أحالت الشخصيات الوطنية إلى محكمة الجنايات بتهمة “تدبير تجمهر لأكثر من 5 أشخاص بمحيط ميدان رابعة العدوية، يهدد السلم والأمن العام، وذلك في الفترة من 21 يونيو 2013 حتى 14 أغسطس 2013″، وذلك في إشارة للاعتصام الذي تلا الانقلاب على الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي.
يشار إلى أن آخر مرة نفذت السلطات فيها أحكام الإعدام، كانت في رمضان الماضي، بإعدام 20 من قيادات وأعضاء الإخوان المسلمين ضمن قضية أحداث مركز شرطة كرداسة بمحافظة الجيزة.
وتأتي الأحكام في وقت تطالب دوائر سياسية بالتهدئة والتقارب بين المعارضين ونظام الانقلاب؛ لتمكين مصر من مواجهة الأزمة الوجودية لسد النهضة وتأثيراته على مصر، وهي الدعوات التي رحبت بها الجماعة، وتحركت تركيا وأطراف إقليمية في ضوئها، إلا أن إصرار السيسي ونظامه العسكري على الاستمرار في القمع غير المتناهي للإخوان المسلمين وباقي القوى الوطنية بأقسى العقوبات في التاريخ المصري، يؤكد أن نظام الانقلاب لا يعبأ بالتحديات التي تواجه مصر، سواء في أزمة سد النهضة مع إثيوبيا والذي يحرم مصر من حصتها من مياه النيل ؛ما يدمر أكثر من 72% من أراضيها الزراعية ،ويشرد نحو 40 مليون مواطن من سكان الدلتا، ويرفع البطالة بين الشباب لأكثر من 30 مليونا ، وفق دراسة جامعة كاليفورنيا الأمريكية ووكالة ناسا الفضائية ،بإشراف الخبير والعالم المصري عصام حجي.
وتؤكد أحكام أمس تخليا من السيسي عن الخيار العسكري تماما الذي كان يحتاج الى دعم شعبي وتوحيد الداخل المصري، وفق الدعوات التي أُطلقت قبل أكثر من شهر.
وقد تقطع تلك القرارات غير المسئولة مسار المصالحة بين تركيا والنظام المصري، إذ تمثل اختبارا قاسيا لنظام أردوغان الذي يستضيف قيادات وأعضاء الإخوان والمعارضين للسيسي ونظام الانقلاب.

حملات تمهيدية

وقد سبق الأحكام حملات تمهيدية لسياسات الإقصاء والقمع الإجرامي، عبر تصريحات لوزير خارجية السيسي سامح شكري بأن عودة قنوات الإخوان للعمل مجددا من تركيا دليل على عدم جدية أنقرة في المصالحة مع مصر، وذلك رغم تصريحات وبيانات المسئولين الأتراك عن أهمية مصر الإستراتيجية لتركيا، وقرب تسمية السفراء، وعودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع مصر. كما شهدت قنوات التلفزيون والفضائيات المقربة من العسكر تحريضا كبيرا خلال الأيام القليلة الماضية، حيث حرض إبراهيم عيسى عبر برنامجه التلفزيوني على الإخوان داعيا لفصلهم من الوظائف ومن الحياة أيضا، مُدعيا أنهم بندقية للإيجار، سيعودون إلى السيطرة على الحياة في مصر مجددا لو تركهم السيسي، كما كان وضعهم في عهد عبد الناصر ثم في عهد السادات وحسني مبارك، الذي سار وزير داخليته وأعضاء ورؤساء مجالس الشورى والشعب في جنازة مرشدهم العام عمر التلمساني، بحسب الإعلامي الانقلابي.
وتؤكد الأحكام القاسية الصادرة أمس أن الفترة المقبلة ستشهد تصعيدا سياسيا وأمنيا ضد معارضي النظام، عبر الاعتقالات والفصل من الأعمال والمصادرات المالية.

Facebook Comments