تأييد محكمة النقض الإثنين 14 يونيو 2021م أحكاما بالإعدام بحق 12 من رموز ثورة 25 يناير 2011م بينهم قيادات في الإخوان المسلمين، كبرى الحركات الإسلامية التي فازت بثقة الشعب المصري في كل الاستحقاقات النزيهة في مرحلة ما بعد ثورة يناير، يحمل كثيرا من المعاني والرسائل والدلالات.

أولى هذه الرسائل أن هذا الحكم المسيس هو الأول من نوعه بحق قيادات من الصف الأول للجماعة؛ لأنه حكم نهائي وبات ولا يجوز الطعن عليه وفقا لقوانين السيسي التي عدلها لتحكم المحاكم على هواه وما يرغب به. معنى ذلك أن السيسي يبعث برسالة مباشرة وشديدة الوضوح أنه ماض في الممارسات الإجرامية، ولا مكان مطلقا لما يسمى بالمصالحة أو تسوية الأزمة سياسيا. وأن التعامل مع الإخوان هو بالقتل المباشر كما جرى في مذابح رابعة النهضة والمنصة والحرس وغيرها، أو الاغتيال في بيوتهم كما حدث مع قيادات شقة أكتوبر الذين اغتالهم السيسي بعد القبض عليهم. أو بالتعذيب والإهمال الطبي في السجون كما حدث مع الرئيس الشهيد محمد مرسي والمرشد السابق مهدي عاكف والدكتور عصام العريان والبرلماني فريد إسماعيل وزميله محمد الفلاحجي والدكتور طارق الغندور، غيرهم من قيادات الجماعة، أو عبر منصات القضاء المسيس الذي جرى تدجينه والسيطرة عليه من الألف إلى الياء حتى يكون أداة من أدوات السلطة  تنتقم بها من معارضيها.

ثاني هذه الرسائل أن الهدف هو ثورة يناير والتنكيل بقادتها؛ لأن على رأس المحكوم عليه ظلما الدكتور محمد البلتاجي والدكتور صفوت حجازي والدكتور أسامة ياسين، وكلهم لهم باع طويل ودور مؤثر في ثورة 25 يناير 2011م، حتى تمكنت الثورة من خلع مبارك أملا في إقامة نظام ديمقراطي تعددي يضع مصر على مصاف الدولة المتقدمة، لكن الطابور الخامس لإسرائيل داخل المؤسسة العسكرية المصرية ومؤسسات الدولة العميقة أبى إلا الانقلاب على الثورة لعدة أهداف: أولها حماية أمن إسرائيل باعتبارهم عملاء وجواسيس لها. والثاني حماية مصالحهم الشخصية عبر السيطرة على مفاصل الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية. والثالث القضاء على الهوية الإسلامية لمصر. والرابع هو الحيلولة دون إقامة نظام ديمقراطي في مصر يجعل الشعب صاحب السيادة الحقيقية وصانع القرار الحقيقي في يتعلق ببلاده وليست الأجهزة المخابراتية والعسكرية والأمنية  التي جرى تعيينها حسب معايير النظام المستبدة في العقود الماضية.

ثالث الرسائل، أن النظام لا يكترث لتمزق النسيج الاجتماعي لمصر حتى في ظل هذه الأوضاع المتردية وعجزه عن مواجهة العناد الإثيوبي فيما يتعلق بأزمة سد النهضة وحجز المياه عن مصر المعرضة للجوع والعطش لسنوات طويلة. وبدلا من ترميم الوضع وإعادة تقييم السياسات الخاطئة فإذا النظام  يصر على المزيد من تمزيق النسيج الاجتماعي وتفتيت الاواصر المجتمعية والاعتماد على البطش والقمع الأمني والعسكري والقضائي كأدوات لإخضاع الشعب بالعنف والإرهاب والأحكام المسيسة.

رابع الرسائل، هي التأكيد على أن النظام قد تمكن من السيطرة المطلقة على السلطة القضائية من الألف إلى الياء؛ حتى باتت ألعوبة يوظفها في صراعه السياسي وسيفا مسلطا على رقاب المعارضين؛ وما الحكم الأخير بإعدام هؤلاء الرموز المجتمعية والثورية إلا برهانا على أن منصات القضاء لم تعد تختلف كثيرا عن أصحاب الأقنعة السوداء في أجهزة الأمن الذين يطلقون الرصاص عندا لقتل الأبرياء؛ في النهاية لا فرق بين قتل البريء برصاص الداخلية أم برصاص الأحكام القضائية المسيسة التي باتت عنوانا للمرحلة التي تعد الأسوأ في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.

خامس الرسائل، أن النظام العسكري الذي اغتصب الحكم بانقلاب وحشي لن يتسامح مطلقا مع القوى التي يمكن أن تهدد وجوده وهيمنته على السلطة فالحكم هو تعبير عن التشبث بالسلطة لأبعد مدى وحرص من قادة الانقلاب على القضاء على أي شخص أو جهة يمكن أن تمثل تهديدا لبقائه على هرم السلطة حتى ولو سطوا واغتصابا. فالإخوان هم التيار الشعبي الوحيد الذي تمكن من ترجيح كفة الثورة في 25 يناير عندما نزلوا بكثافة في جمعة الغضب 28 يناير، وهم الفصيل الشعبي الأكثر تنظيما وتمكن من هزيمة مرشح الجيش في انتخابات الرئاسة 2012م"أحمد شفيق"، والمؤسسة العسكرية في مصر لا تتسامح مطلقا مع أي تنظيمات خارج إطارها التنظيمي إلا إذا كانت هذه التنظيمات خاضعة بشكل كامل لتوجهات وأجندة النظام. فمصر يوجد بها ثلاث تنظيمات مدنية كبرى خارج إطار الدولة هي الإخوان والكنيسة والنادي الأهلي، أما الكنيسة فقد جرى تسوية العلاقات معها بما يخدم الطرفين الجيش والكنيسة. والأهلي فقد جرى تسوية العلاقات مع الإدارة أما الألتراس والذي كان يمثل تهديدا للنظام لدوره في ثورة يناير فقد جرى التنكيل به وحل روابطه على النحو الذي جرى في السنوت الماضية.  أما الإخوان فقد جرى التنكيل بهم على نحو واسع باعتبارهم التهديد الأكبر لهيمنة حفنة الجنرالات الذين ينهبون ثروات البلاد ويكرسون هيمنتهم السياسية والاقتصادية بعد اختطاف الجيش ومؤسسات الدولة لحسابهم الخاص وحساب رعاتهم الإقليميين والدوليين في تل أبيب وواشنطن وأبو ظبي والرياض.

الحكم صدر في سرية مطلقة، فلم يعرف الناس الخبر إلا من خلال تصريح لمصدر قضائي لوكالة الصحافة الفرنسية بأن محكمة النقض أيدت حكم الإعدام بحق 12 بينهم الدكتور محمد البلتاجي، الأستاذ بكلية الطب بجامعة الأزهر. والدكتور صفوت حجازي، الداعية الإسلامي المعروف. والدكتور عبدالرحمن البر، عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان، والدكتور أسامة ياسين، وزير الشباب الأسبق، والدكتور أحمد عارف المتحدث الإعلامي باسم جماعة الإخوان، والباقون كلهم مؤهلات عليا ورموز اجتماعية كبيرة يعرف القاصي والداني مدى نبلهم وشرفهم واستقامتهم. ليس معنى ذلك القبول بأحكام السجن المتفاوتة لــ590 آخرين؛ فالحكم كله جائر لم يستند إلا إلى التحريات الأمنية التي صاغها ضباط في مكاتبهم ولا يوجد دليل واحد يدين هذه الرموز العلمية والأخلاقية والثورية سوى أنهم رفضوا أن يخضعوا للظلم والطغيان مع الخاضعين.

قد يظن الطغاة أنهم بمثل هذه  الأحكام الجائرة قادرون على استئصال الحركة الإسلامية، كلا .. ستكون هذه الأحكام برهانا على أن الإخوان والثوار ماضون على طريق الحق حتى تتحر مصر وجيشها وشرطها ومؤسساتها من العصابة المجرمة التي احتلت البلاد لخدمة الرعاة في إسرائيل وأمريكا. إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.. فارتقبوا إنا مرتقبون.

Facebook Comments