ولدتُ ونشأتُ فى إحدى قرى البحيرة، ومما سمعناه فى طفولتنا وكنا نردده حتى الشبيبة أن عمدة القرية الراحل -أحد الملّاك الكبار ممن أطلقوا عليهم لفظ «إقطاعيين»- كان جبارًا عنيدًا، وأنه نصَبَ مشنقة، قبل يوليو 1952، فى ساحة بيته الكبير لإعدام معارضيه، وأنه ما دخل عريس بعروسه، فى القرية وما جاورها، إلا عاشرها، رضًا أو غصبًا، وقصصًا أخرى سمعناها عن الرجل مما يشيب له الولدان..

ورغم أننى كنت صديقًا، فى المرحلتين الابتدائية والإعدادية، لأحد أبناء شقيق هذا العمدة والذى يقيم معه فى مكان واحد عبارة عن فيلتين كبيرتين يحوطهما سور ضخم ممتد، وقد زرته فى بيته مرارًا -فإنى لم أر يومًا أثرًا لهذه المشنقة ولا للأساطير التى كنا نسمع بها عن هذا «الفرعون!»، والعجيب أننى لم أسأل نفسى وقتها لِمَ نردد هذا الكلام وتتناقله أجيال الطفولة فى قريتى رغم عدم وجود آثار تدلُّ عليه..

ثم قفز بنا العمر قفزته، السِّنِّية والعلميّة، وصادف أن قرأت فى كتاب «الإخوان المسلمون: رؤية من الداخل»، على لسان مؤلفه (الأستاذ محمود عبد الحليم» أن هذا العمدة نفسه (الحاج عبد الغفار الديب) قد جاوره فى انتخاب الهيئة التأسيسية (مجلس شورى الجماعة)، ودار بينهما حوار طويل أثنى الأستاذ «عبد الحليم» فى نهايته على مواقف وأخلاق «الديب». انتفضت إثر قراءتى لهذه الفقرة متسائلًا بصوت مسموع: كيف؟!! وكمان من الإخوان وعضو الهيئة التأسيسية! هذا كثير.. ولأننى تربيت على الإنصاف فقد بدأت من ساعتها رحلة التحرى عن الحقيقة..

ذهبتُ فى اليوم التالى إلى أكبر رمز من رموز الجماعة وقتها، وكان يقطن فى عاصمة المركز الذى تتبعه قريتى، وقد قضى سنين فى السجون الناصرية، قلت له: فك لى من فضلك هذا اللغز، قال: والله لا أقول إلا بما علمت؛ لقد كان الرجل صالحًا، ورعًا عادلًا تقيًّا، دخل الجماعة على يديه ثمانية من عُمد القرى المجاورة، من أصدقائه وقرابته، لحسن خلقه واستقامة سيرته، واستطرد: والله لقد هاتفنى قبيل احتضاره ودار بيننا حوار كان على قصره يدل على صلاح الرجل وتعلقه بالله والآخرة..

ثم كانت جدتى لأبى على قيد الحياة، وكانت قد تخطت المائة غير أنها تحتفظ بذاكرة قوية، سألتها عن هذا التناقض وعن رأيها فى الرجل، وكانت تعرفه جيدًا، فما زادت على قول: لقد كان عالمًا. إذًا لماذا نسمع عكس ذلك يا جدتى؟ لأنه تدخل فى السياسة، وماذا عن المشنقة والاعتداء على الأعراض؟ كذب وافتراء ..

حكيتُ هذه الحكاية الطويلة مثلًا من الواقع الذى يتعرض له شعبنا منذ أن ابتُلى بهذه الأنظمة المخادعة، والتى رغم مضى نحو سبعين عامًا على حكمهم، ورغم تطور الدنيا، فلا يزالون يمارسون الدور نفسه؛ ليخلو لهم الجو، ولتكون «المحروسة» عزبة لهم ولأبنائهم من بعدهم، فلا يزالون يبيعون الوهم، ويبذرون الشائعات ويغيبون الوعى، ولا زال هناك مخدوعون بهم، قد تكون مساحة الوعى قد اتسعت، وانكشف المستور إلى حد كبير لكن يظل هناك، كما كنتُ فى طفولتى، قِطَاعٌ من المغيبين يصدقون أكاذيب هذه الأنظمة، ويدافعون عنها بل يرتكبون الحماقات ربما فى حق أقرب الناس إليهم..

وبما أن الخادع يلزمه مخدوع، والكاذب يلزمه سفيه أو منتفع فكان حتمًا أن ترعى أنظمة العسكر هذا النوع من الناس الذين لا ينشغلون بالحقائق قدر انشغالهم بإرضاء المخادع، فسعت الأنظمة أولًا إلى تغييب المعارضة، وتأميم الصحافة، وتكريس الخوف وتقسيم العباد، وملاحقة كل من يدعو إلى أوامر ونواهى الدين، ثم خلق خصوم افتراضيين. وعقب ذلك يتم تشويه الخصوم برشوة الأتباع وإسناد المناصب للرعاع، وإلهاء الشباب عن القضايا المصيرية، فى مقابل تضخيم صورة «الزعيم» وتوكيد «قداسته» ليكون القول قوله والحكم حكمه فلا معقب لما يقول ويفعل.

لقد ملأ «خالد الذكر» طباق الأرض كذبًا، ورغم ذلك كان هناك من يهتف لدجله من الجهَّال، المستخف بهم، الذين صدقوا أوهامه، ومن المنتفعين الذين ارتقوا سلم الغنى، وقد أتوا بهم من مستنقع الفقر ثم غسلوا أمخاخهم ليكونوا نقمة على خصوم «الزعيم» وشلته. وهناك أيضًا جبناء أخافتهم دعاية الأنظمة وسلوكها الحقوقى فآثرت التأييد الزائف لتنجو من سيف الجلاد.. وهؤلاء وهؤلاء من التابعين الإمعات لا يزالون يتغاضون عن المآسى والكوارث المحيقة بالعباد والبلاد، ويشجعون التدليس، ويقدسون الأقزام، ويضعون ثقتهم فيمن لا يستحقون حتى صدقوا أن هناك علاجًا بالكفتة، وأن مصر فى 2020 «هتكون فى حتة تانية خالص»…

الحقيقة أن مصر صارت بالفعل فى «حتة تانية خالص»، «حتة» تُفرِح الأعداء وتغمُّ الأحباب؛ جرَّاء هذه العلاقة الشاذة، القديمة الجديدة، بين «الخادع والمخدوع» والتى لا بد أن يسعى المصلحون لفضها؛ بفضح الخادع، ورفع غطاء الجهل أو الطمع عن المخدوع، وهذا دور أشق، فى نظرى، من دور المحارب الذى يتقلد الدرع والسيف.

Facebook Comments