سلط تليفزيون "دويتش فيله" الألماني الضوء على استمرار تبعات جنوح السفينة العملاقة اليابانية فى ممر قناة السويس،وتأثير ذلك حاليا ومستقبلا على منظومة مصر الاقتصادية والتجارية النشطة، باعتبار أن قناة السويس تُعد رقما مهما في الاقتصاد المصري.

وأشار التحليل الذي نشره التليفزيون الألماني إلى جنوح السفينة العملاقة في قناة السويس ،وقطع أحد أهم الممرات المائية للتجارة بين الشرق والغرب، فكل يوم توقف فيه المرور عبر القناة كانت مصر تتكبد خسائر تزيد عن 15 مليون دولار تتمثل في رسوم مرور السفن، فضلا عن التكاليف المترتبة عن توقف أعمال خدمة السفن وأطقمها، والأعمال الأخرى التي تساهم في إنعاش المدن المصرية على طول هذا الممر المائي.
وتعد القناة أحد أهم خمسة مصادر مستدامة للدخل القومي المصري من العملات الصعبة بعائدات سنوية وصلت إلى أكثر من 5.6 مليار دولار خلال العام الماضي، ويمكن القول أن القناة تشكل أحد أبرز القطاعات التي تساعد مصر على تحقيق طموحاتها التنموية، ومواجهة أزماتها الاقتصادية ؛لأن عائداتها مستقرة مقارنة بعائدات السياحة والسفر والاستثمار الأجنبي ،وقطاعات أخرى عُرضة للتأثر السريع بالأزمات على غرار أزمة جائحة كورونا، ويعكس استقرار العائدات كون القناة أحد أهم الممرات المائية العالمية ،وأكثرها أمانا للسفن والحاويات التي تشكل أهم وسيلة لنقل السلع والبضائع إلى مختلف الأسواق.

كم كلّف مصر هذا المأزق؟
على ضوء هذه الأهمية، فإن تبعات إغلاق القناة هي أكثر قسوة على التجارة العالمية؛ إذا تذهب التقديرات إلى أن الإغلاق كلف مصر أسبوعيا من 6 إلى 10 مليارات دولار حسب شركة التأمين الألمانية "اليانس"، كما أنه ضاعف أسعار النقل والتأمين ،وتكاليف الإنتاج والوقود عدة مرات، ويدل على ذلك ارتفاع أسعار النفط بنسبة 6 بالمائة بعد أقل من 48 ساعة على حادث جنوح الناقلة.
وزادت الأمر بأن القناة فقدت الكثير من الاهتمام النقلي العالمى، ويشكل المرور عبر القناة 10 إلى 15 بالمائة من مجمل السلع التي تنقلها الحاويات إلى مختلف أنحاء العالم، وتضم السلع والبضائع المارة كل ما يخطر على البال من مصادر الطاقة والمواد الأولية والوسيطة والسلع الجاهزة والحيوانات الحية وغيرها

 أما وجهتها الأساسية غربا فهي أسواق أوروبا وفي مقدمتها ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا ،وأسبانيا، وعلى صعيد الوجهة شرقا فإن معظم السلع تتوجه عبر القناة إلى الصين، والهند ،واليابان ،وكوريا الجنوبية ،ودول شرق وجنوب آسيا الأخرى.
وتسآل التلفزيون الألمانى:" إن توقف الحركة عبر قناة السويس ، كلف خسائر يومية بمئات الملايين من الدولارات،فضلاً عن عزوف عدد من شركات النقل العملاقة بعد الواقعة التي لم تحدث من قبل في العالم".

أبرز المتضررين
غير أن العالم العربي إلى جانب أوروبا وتركيا من أكثر المناطق الذين تضررا؛ لأن الصين أضحت أهم أو أحد أهم الموردين إلى أسواق بلدان شمال أفريقيا، وشرق المتوسط بنسب تتراوح بين 10 بالمائة كما في حالة المغرب ،وما يزيد على 18 بالمائة كما في مصر، وبالنسبة إلى دول الخليج فإنها تصدر قسما هاما من النفط والغاز المُسال عبر القناة، وتذهب التقديرات إلى أن ما بين مليون إلى مليون ونصف برميل نفط تُشحن يوميا عبرها إلى الأسواق الأوروبية ،والتركية ،وأسواق دول أخرى.
غير أن المشكلة الأكبر لهذه الدول في اعتماد أسواقها بنسب تتراوج بين 20 إلى 30 بالمائة على السلع الاستهلاكية التي تستوردها من أوروبا وشمال أمريكا مرورا بقناة السويس، وذكر التقرير:" تم استهلاك مخزون المستودعات في بعض بلدان العالم، وإن النقص في هذه السلع مسألة لم يتم تجنبها وتعويضها؛ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وتراجع القوة الشرائية ومستوى معيشة الفئات التي تستهلكها".
بدائل قناة السويس؟
التكهنات بحدوث أزمة كما حدث مع ناطحة السحاب "إيفر جيفن" ،دفع العديد من دول العالم للبحث عن بديل قوي؛ لتعويض "قناة السويس" ،وهو ما كشف عنه خبراء اقتصاديون بأن أهمية قناة السويس ستتراجع لصالح ممرات جديدة.
وبعد انتهاء الأزمة يسود دول العالم المزيد من القلق،حيث بدأت بعض الشركات والدول بتحويل السفن التي تنقل بضائعها إلى رأس الرجاء الصالح رغم أن قطع طريقه يستغرق أسبوعا إلى عشرة أيام إضافية مقارنة بقناة السويس، ما يعني زيادة في تكاليف النقل والتأمين بنسبة لا تقل عن 30 إلى 40 بالمائة.
وإلى جانب رأس الرجاء الصالح أفادت مصادر عديدة بتوجه عدد من الزبائن إلى نقل بضائعهم من شرق آسيا إلى أوروبا عبر روسيا باستخدام ميناء فلاديفوستوك والخطوط الحديدية الروسية، وهناك فرص لاستخدام بحر الشمال في النقل بشكل أكثر من ذي قبل مع ارتفاع درجات الحرارة خلال هذه الفترة واستخدام كاسحات جليدية تسهل مرور السفن وناقلات الحاويات.
على ضوء ذلك، فإن على مصر في المستقبل المنظور الأخذ بالحسبان أن تراجع أهمية القناة مسألة وقت، لأن النقل البري عبر بعض ممرات طريق الحرير الجديدة التي يتم العمل على إنجازها في السنوات القليلة القادمة سيكون أقل تكلفة منه عبر قناة السويس، ومما يعنيه ذلك أن هذه الممرات ستفقد قناة السويس الكثير من أهميتها ،كما حصل من قبل مع طريق رأس الرجاء الصالح الذي أفقدته القناة أهميته بشكل تدريجي بعد إنجازها وتشغيلها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

أين انتهت أزمة السفينة؟
استمرارا لتبعات أزمة السفينة ،قالت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني :"إن شركات إعادة التأمين سوف تتكبد خسائر بمئات الملايين من اليورو بعد أزمة جنوح سفينة الحاويات".
"فيتش" في بيانها قالت:" إن الأزمة ستقلص أرباح شركات إعادة التأمين العالمية، وستؤدي إلى ارتفاع أسعار إعادة التأمين البحري".
وتابعت: "ستعتمد الخسائر النهائية على المدة التي ستستغرقها فرق الإنقاذ لتحرير السفينة بالكامل ومتى يمكن استئناف حركة السفن العادية، لكن فيتش تقدر الخسائر قد تصل بسهولة إلى مئات الملايين من اليورو".
وتوقعت وكالة التصنيف الائتماني:" أن تدفع الشركات تعويضات للأضرار التي حصلت في بدن السفينة والبضائع على متنها وعمليات الإنقاذ نفسها".
وقالت: "ستظهر مطالبات من مالكي البضائع على السفينة والسفن الأخرى العالقة في قناة السويس بسبب الخسائر المتعلقة بالسلع القابلة للتلف وانقطاع سلسلة التوريد".
وقد تواجه شركة التأمين على السفينة أيضا مطالبات من هيئة قناة السويس بدفع تعويضات عن خسائر الإيرادات التي حصلت جراء الأزمة.
كانت رويترز قد نقلت عن مصادر:" إن مالك السفينة والشركة المُؤمنة لها يواجهان مطالبات بملايين الدولارات بعد أن أُعيد تعويم السفينة بسرعة:.
وقالت فيتش: "إن حصة كبيرة من الخسائر قد تتم إعادة التأمين عليها من قبل لجنة عالمية من شركات إعادة التأمين، مشيرة إلى أن هذه الخسائر ستقلص أرباح النصف الأول من العام الجاري لهذه لشركات، التي تعاني بالفعل بسبب أحداث كارثية مثل العواصف الشتوية في الولايات المتحدة والفيضانات في أستراليا، فضلا عن الخسائر الإضافية المرتبطة بجائحة كورونا.

Facebook Comments