طوال 10 سنوات استمرت المفاوضات حول السد الإثيوبي مصحوبة بجدل وخلافات حتى تحولت إلى واحدة من أبرز الأزمات حول تقاسم الوارد المائية في العالم ولم تتوصل دول المصب الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، إلى اتفاق على عملية الملء والتشغيل.

وقالت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، إن مصر أعلنت أنها لن تقبل باتفاق مرحلي بشأن السد الإثيوبي موضحة أن أديس أبابا تسعى لافتعال مشكلة مع محيطها، وحاولت تحريف بيان جامعة الدول العربية بشأن السد. مؤكدة أن إثيوبيا تصر على الملء الثاني للسد دون اتفاق وطالبت بفرض عقوبات على من لا يلتزم بالمفاوضات!

وفي السياق أفادت مصادر صحفية بأن هناك زيادة كبيرة في حجم أعمال التعلية الوسطى للسد الإثيوبي تتراوح بين 570 و573 مترا فوق سطح البحر وأكدت ضرورة حصول السودان ومصر بشكل رسمي على البيانات الخاصة بأعمال التعلية والتخزين نظرا لاحتمالية الحجز بصورة تعسفية للمياه.

الاستعداد للملء الثاني

وأوضحت المصادر أن تعلية السد ستكون لها آثار إيجابية على قدرة إثيوبيا على تخزين كميات أكبر من المياه بحلول الأسبوع الثالث من يوليو، مشيرة إلى ضرورة توقف جميع الأعمال الإنشائية قبل فترة زمنية مناسبة حتى لا تحدث تصدعات في التعلية الوسطى للسد.

وادعت المصادر الصحفية عدم رصد أي مؤشرات سلبية لبدء الملء على سد الرصيرص السوداني أو أي سدود سودانية ومصرية أخرى، وأوضحت أن التعلية الحالية تسمح لإثيوبيا بحجز 10 مليارات متر مكعب من المياه أي ما يزيد قليلا عما تم تخزينه في الملء الأول.

وتستعد إثيوبيا لبدء المرحلة الثانية لملء السد العملاق مع بدء موسم الأمطار في مطلع يوليو المقبل وسط اتهامات مصرية وسودانية بمحاولة فرض سياسة الأمر الواقع والانتهاء من السد بشروطها وهو ما سيخلف آثارا سلبية عميقة على البلدين اقتصاديا واجتماعيا على المستويين المتوسط والطويل وسيؤدي إلى تراجع حصتهما التاريخية من مياه النهر.

الدكتور عبدالتواب بركات، الخبير الزراعي، رأى أنه بعد 10 سنوات من المفاوضات العبثية لم تكن أزمة سد النهضة في تقاسم المياه لأن الاتفاقات الدولية بين الدول الثلاث ومبادئ القانون الدولي تقر حق مصر في الاستخدامات الحالية للمياه والتي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب من المياه والتي لا يمكن أن تنقص لترا واحدا.

أسباب الخلاف

وأضاف بركات، في حواره مع تليفزيون وطن، أن أزمة سد النهضة لم تكن أيضا في قواعد الملء والتشغيل التي يركز عليها الجانبان المصري والسوداني في محاولة لحصر وتقزيم الأزمة الحقيقية، لكن الأزمة المحتدمة منذ 10 سنوات تتعلق بأن إثيوبيا بدأت بناء السد دون إخطار مسبق للدولتين وهذا يخالف الاتفاقيات الموقعة بين الدول الثلاث ويخالف مبادئ القانون الدولي، كما أن إثيوبيا لم تجري دراسات تثبت عدم إضرار السد بمصر والسودان حتى الآن بالمخالفة للقانون الدولي وإعلان المبادئ الذي تم توقيعه في 2015 كما أنها لم تستكمل دراسات سلامة وأمان إنشاءات السد بجانب أنها أعلنت في البداية أن حجم السد سيكون 14 مليار متر مكعب ثم رفعت السعة إلى 74 مليار متر مكعب وهذا هو الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه مصر والسودان ويعرض حياة الشعبين إلى أزمة وجودية.

وأوضح أن إثيوبيا عازمة وجادة في إنشاء السد بحجمه العدائي الذي يبلغ 74 مليار متر مكعب ويلتهم حصة مصر والسودان كاملة وسط استلام مطلق وانبطاح كامل لحكومتي مصر والسودان، ما شجع إثيوبيا على مواصلة بناء السد وتحويل النيل الأزرق إلى بحيرة إثيوبية خالصة.  

وأشار إلى أن أعمال تعلية الممر الأوسط للسد تشمل إنشاء الحاجز الخرساني في المنطقة الوسطى من السد الذي يعلو مجرى لنهر الرئيسي حتى تتمكن إثيوبيا من حجز كميات إضافية من المياه، وقد أعلنت إثيوبيا في منتصف العام الماضي خلال الملء الأول عن احتجاز 5 مليارات متر مكعب من المياه وهي الآن ترفع الممر الأوسط لتتمكن من تخزين حوالي 18.5 مليار متر مكعب بزيادة قدرها 13.5 مليار متر مكعب هذا العام.

ولفت إلى أن مخاطر سد النهضة ظهرت العام الماضي خلال الملء الأول فعندما بدأت إثيوبيا التخزين سرا وبشكل أحادي خرجت محطات رفع المياه في السودان من الخدمة بسبب انخفاض منسوب النيل وعندما فتح إثيوبيا البوابات بعد انتهاء التخزين انهارت عشرات السدود في السودان وتعرضت البلاد لفيضانات عارمة .

الموقف السوداني

بدوره قال الدكتور محمد أحمد ضوينا، المحلل السياسي السوداني، إن الموقف السوداني من أزمة سد النهضة ومواجهة الغطرسة الإثيوبية غير كاف على الإطلاق، مضيفا أن السودان يتحمل الضرر الأكبر لأي مخاطر محتملة لسد النهضة، وأن الموقف السوداني لا ينبئ بأي تحركات جادة وحاسمة لإيقاف الملء الثاني للسد.

وأوضح ضوينا، في مداخلة هاتفية لتليفزيون "وطن"، أن الملء الأول رافقه تعرض السودان إلى فيضانات ما يتطلب توفير معلومات وبيانات بشأن قراءات الملء الثاني للسد وهذه البيانات هي أساس القضية لأن الصراع بين الدول الثلاث ليس بشأن إنشاء السد أو الملء والتشغيل، ولكن التخوف هو من غياب المعلومات والبيانات المتعلقة بملء وتشغيل السد وتحويل مجرى النيل وتفريغ بحيرة السد في كل عام.

وأشار إلى أن إثيوبيا اعتادت خلال مراحل التفاوض المختلفة على عدم الالتزام بأي اتفاقيات، وهي تخشى توقيع أي اتفاق يقيدها فيما يتعلق بالتحكم في مياه النيل وإنشاء سدود أخرى على روافد النيل، وهو ما يجعلها ترفض السماح لمصر والسودان بالمشاركة في إدارة سد النهضة أو توقيع اتفاق ملزم.

ولفت إلى أن ملء السد النهضة يتطلب 74 مليار متر مكعب وهي نسبة كبيرة، خاصة مع توقعات حدوث نزاعات في المستقبل بين الدول الثلاث وفي ظل عدم توقيع إثيوبيا على اتفاق ملزم تكون مصر والسودان قد وقعتا في ورطة كبيرة.

      

https://www.facebook.com/Watantv.Lives/videos/519411799376894

Facebook Comments