على غرار خطط التلاعب الأمني والمخابراتي، الذي تديره الأجهزة الاستخباراتية والأمنية في مصر لتعويم النظام الحاكم، أمام ضغوطات الفشل بالداخل والخارج، كشف مصدر برلماني، الأحد، عن وصول خطاب من "عبدالفتاح السيسي" بأسماء الوزراء الذين سيشملهم تعديل في حكومة الانقلاب العسكري، إلى رئيس مجلس نواب العسكر قبل بدء الجلسة العامة؛ تنفيذا لنص المادة 147 من الدستور.

وأوضح المصدر أن "التعديل الوزاري الغرض منه ضخ دماء جديدة"، وأن قائمة التعديلات الوزارية قد تتضمن وزراء البيئة، وقطاع الأعمال العام، والطيران المدنى، والسياحة والآثار، والإعلام والثقافة، والتعليم العالي، والقوى العاملة، والأوقاف، والتنمية المحلية، والري، والزراعة، والشباب والرياضة وفقا لما نقلته شبكة "روسيا اليوم".

وفي السياق، نقلت صحيفة "الشروق" عن مصادر بحكومة الانقلاب أن رئيس مجلس وزراء الانقلاب "مصطفى مدبولي" أجرى عدة اتصالات ومشاورات خلال إجازة عيد الأضحى المبارك، لإنهاء التعديل الوزاري المرتقب، مشيرة إلى أن "التعديل قد يطال إحدى الوزارات السيادية المهمة "الخارجية" ولكن هذا الأمر لم يحسم بشكل نهائي وما زالت المشاورات الخاصة به جارية حتى الآن".

ونوهت المصادر إلى أنه سيتم الإعلان عن التعديل بشكل نهائي آخر الأسبوع الجاري، أو منتصف الأسبوع المقبل، على أقصى تقدير، بعد الانتهاء من المشاورات مع مجلس نواب العسكر.

وكان نائب العسكر مصطفى بكري كتب عبر "تويتر"، الأحد، عن تعديل وزاري محتمل يشمل عدة وزارات في مصر، مغردا: "‏أتوقع قرب التعديل الوزاري المرتقب برئاسة مصطفي مدبولي، المعلومات تشير إلى احتمال أن يشمل التعديل عددا ليس بالقليل، وتوقع تغيير 16 محافظا".

وأضاف "بكري" أن "الوزير السابق محمود محي الدين غادر القاهرة صباح اليوم إلى الولايات المتحدة، ما يعني أنه لن يتولى رئاسة مجلس الوزراء كما أشيع فى مصر خلال الأيام الماضية".

 

الخارجية سبب التأخير

وبحسب التقديرات الإستراتيججية، فإن الملف الأساسي الذي أخر ظهور التعديل الوزاري بحكومة الانقلاب هو مصير وزير الخارجية سامح شكري، الذي اختلفت حوله آراء مكونات السلطة المختلفة، وبصفة خاصة المخابرات العامة ورئاسة الانقلاب، نظراً لحساسية حقيبته ودقة التوقيت الحالي، بالنظر لقضية سد النهضة والمفاوضات الجارية مع تركيا وقطر والحساسيات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

فالمخابرات العامة برئاسة عباس كامل تدفع بشدة لتغيير شكري على خلفية العديد من الملاحظات، أبرزها ما لاحظه كامل خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة من ضعف الأداء الدبلوماسي المصري، وتراخي الجهود المبذولة لتحسين العلاقات بالمسؤولين الأمريكيين وقيادات الحزبين الديمقراطي والجمهوري والنواب، وعدم قدرة القاهرة على تحقيق أي خرق حقيقي للمجتمع السياسي في واشنطن على مدار السنوات الست السابقة.

وعلى الرغم من استئثار المخابرات العامة بقيادة التحركات المصرية في الملفات الخارجية المهمة، وتوليها مهمة توجيه العناصر الدبلوماسية في السفارات الرئيسية، فإن كامل يرى أن الملف الأمريكي يتطلب عملا دبلوماسيا "خلّاقا وكبيرا" في إطار السياسة المعتمدة من الدولة، كما يتطلب الأمر "تغييرا في الوجوه، بتصعيد شخصيات جديدة يكون لها مصداقية أكبر لدى الأميركيين ثم الأوروبيين".

هذه الملاحظات ليست وليدة دراسة الجهاز الأهم في مصر حاليا فحسب، بل سجلتها أيضا شركة "براونستين هيات فاربر شريك" للدعاية والحشد السياسي التي تعاقدت معها المخابرات العام الماضي لتتولى تحسين صورة القاهرة في واشنطن، وتنظيم فعاليات تنسيقية بين المسؤولين المصريين والسياسيين الأميركيين. ولفتت الشركة في بعض تقاريرها إلى ضعف الحضور الدبلوماسي المصري، وعدم فتح الخارجية قنوات اتصال معتبرة ومستدامة مع واشنطن ونيويورك.

وعلى هذا الأساس استغرقت دائرة السيسي وقتا طويلا للبحث عن بديل، حيث تفضل تصعيد وجه دبلوماسي أصغر نسبيا من الفئة العمرية المعتادة لوزراء الخارجية المصريين، وتكون له علاقات جيدة سابقة، أو جاهزة، مع الأمريكيين والأوروبيين، وبشرط أيضا أن يعمل خارجيا وفقا للخطوط الاستخباراتية وداخليا وفقا للخطوط الأمنية في التعامل مع السفراء والمستشارين وتخطيط الحركة الدبلوماسية وإعداد الكوادر الجديدة وتنظيم ديوان الخارجية.

وفي هذا السياق، يصعب على دائرة السيسي إيجاد بديل لسامح شكري يستطيع بسط سيطرته على السلك الدبلوماسي بالصورة التي آلت إليها الأوضاع، بعد انقلاب يوليو 2013، بإبعاد عشرات الدبلوماسيين لأسباب سياسية ولآرائهم المعارضة أو اهتماماتهم الحقوقية، ثم فرض إجراءات جديدة للتعيين في الخارجية، واختيار الدبلوماسيين والموظفين الشباب، تعتمد بالأساس على البعد الأمني والولاء السياسي وليس الكفاءة أو الخبرة، والسماح بضم العديد من العاملين في الوزارة للمجموعات الشبابية التابعة للمخابرات، ممثلة في أكاديمية التدريب والبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة.

وسواء وجدت دائرة السيسي بديلا لشكري، وتضمنته حركة التعديل الوزاري أم لا، فهناك بعض الملاحظات الأخرى التي سجلتها المخابرات عليه، أبرزها تصريحاته عن قضية سد النهضة والمتكررة منذ بضعة أشهر، والتي نفى فيها اللجوء لأي خيار آخر غير دبلوماسي إلا بعد حدوث الضرر. حيث ترى الدائرة أن هذا الحديث -وإن كان صحيحا على الصعيد السياسي- فهو ليس مناسبا للتداول الإعلامي أو الدعائي خاصة على المستوى الدولي، وكذلك الأداء المصري في مرحلة التجهيز والتربيط السياسي قبل جلستي مجلس الأمن لسد النهضة، وضعف التواصل مع السفراء الأجانب ووزراء الخارجية في هذه القضية خلال عامي جائحة كورونا.

طارق شوقي مستمر

ووفق التقديرات الإستراتيجية، فإن شكري لن يبقى في منصبه إلا في حالة عدم إيجاد بديل، لكن هذا سيعني تعيين نائب جديد للوزير في القريب العاجل لتجهيزه لتولي المسؤولية لاحقا. وفي حالة الاستقرار على رحيله فسوف يتم تكريم شكري بصورة استثنائية، سواء بتعيينه مستشارا شخصيا للسيسي أو بوسام وطني، تقديرا للدور الذي لعبه لمصلحة نظام الانقلاب في السنوات الماضية.

وبعيدا عن الخارجية فإن سيناريو "الخروج التكريمي" من حكومة الانقلاب ربما يكون أيضا من نصيب وزير الكهرباء بحكومة الانقلاب محمد شاكر، الذي سبق أن طلب التقاعد من منصبه مرتين سابقتين لظروف صحية وعائلية، ويرى السيسي أنه أتم مهمته على أكمل وجه في مرحلة حساسة استطاع فيها إعادة بناء شبكة الطاقة المصرية. وبحسب المصادر فإن التعديل سيشمل تعيين وزير دولة جديد لشؤون الإعلام، وتغيير وزراء المجالس النيابية، وقطاع الأعمال العام، والقوى العاملة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والبيئة، والبترول، لكن الكتل البرلمانية لم تتمكن من إجراء أي مشاورات حول الحقائب على غرار ما حدث في جميع التعديلات الوزارية السابقة في عهد السيسي، حيث يفاجأ النواب بأسماء الوزراء الجدد في جلسة التصويت عليها، ما يعكس هيمنة السلطة التنفيذية على المشرعين.

ومن المرجح أن يبقى وزير التربية والتعليم والتعليم الفني بحكومة الانقلاب طارق شوقي بمنصبه رغم الفشل الذي مني به في تنفيذ الإستراتيجية الجديدة للتعليم التي وعد بها، وذلك بسبب تمتعه برضا نسبي من السيسي، على الرغم من التقارير التي رفعتها أجهزة مخابراتية ومستشارون مقربون من السيسي تصف أداء شوقي بـ" التخبط وإثارة الرأي العام بقرارات متضاربة".

Facebook Comments